التشبيه عند الشيعة والنصارى

4 1٬873

التشبيه عند الشيعة والنصارى

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

تَتَّهِمُنَا النَّاصِبَةُ وَالْمُقصِّرَةُ والْمُرتدُّونَ الخَوَنَةُ بِأَنَّنَا نعبدُ جسم الإمَامِ عَلَيٍّ (م) كَمَا يعبدُ النَّصَارَى عِيسَى الْمَسِيح (ع). مَا هُوَ رَدُّنَا عَلَيهم؟

 

بدأتْ هذه الاتِّهاماتُ بدءًا من مقالاتِ سادةِ الْمُقصِّرَةِ كسعدِ القمِّيِّ الأشعريِّ مرورًا بالكشِّيِّ والحلِّيِّ والطُّوسيِّ وغيرِهم، وعنهم أخذَ ابنُ تيميَّةَ ومِن ثمَّ محمَّد بن عبدِ الوهابِ وأتباعُهما، فهم ردَّدُوا كالببَّغاواتِ هذهِ الاتِّهاماتِ، حتَّى برزَ علينا علاَّمَاتُ الْمُقصِّرَةِ اليومَ ليتحدَّثوا بنفسِ الببَّغائيَّةِ الغبيَّةِ من أمثالِ محمد حسين فضل الله وكمال الحيدري وغيرِهم ممَّن شابَهَ خطابُهُم التَّحريضيُّ ضِدَّنا خطاباتِ القرضاوي والعريفي وأمثالِهم من النَّواصبِ.

وهذا يؤكِّدُ انفصالَ دُعاةِ النَّاصبةِ والْمُقصِّرَةِ عن الواقعِ، وعدمَ اعترافِهم بغيرهِم، وانقيادَهم لرغباتِهم الجامحةِ في التَّكفيرِ وإشعالِ الفِتَنِ، لكنَّ السُّؤالَ الذي يطرحُ نفسَهُ:

ما هو الفرقُ بين مَن يَجعلُ سيِّدنا النَّبيَّ المسيحَ (ع) من جنسِ الآبِ وأنَّ لهما نفس الصِّفَةِ والجوهرِ، وبين عقائدِ النَّاصبةِ والْمُقصِّرَةِ التي دَرَجَ عليها سادَتُهم الْمُتقادمونَ!؟

أليسَتْ فكرةُ التَّجلِّي التي يَرفضُها النَّاصبةُ والْمُقصِّرَةُ والْمُرتدُّونَ الخَونَةُ واردةً بالنَّصِّ القرآنيِّ في قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا).

إذا كانت مشكلةُ النَّصارى هي أنَّهم دَعَوا لعبادةِ الصِّفةِ فوقَعوا بالتَّشبيهِ الصِّفاتيِّ بين الآبِ والابنِ، وجعلوا الابنَ عينَ الآبِ، فمشكلةُ دُعَاةِ النَّاصبةِ أنَّهم دَعَوا لعبادةِ الوهمِ فَوقَعُوا بالتَّعطيلِ الوجوديِّ، أمَّا مشكلةُ الْمُقصِّرَةِ والْمُرتدِّينَ الخَونَةِ فأنَّهم تأرجَحوا بين التَّشبيهِ الصِّفاتيِّ والتَّعطيلِ الوجوديِّ، والكلُّ لم يَرتَقِ إلى التَّوحيدِ العلويِّ النُّصيريِّ الْمُنزِّهِ عن حَدَّي التَّشبيهِ والتَّعطيلِ.

فدُعَاةُ النَّصارى زَعَموا أنَّ للآبِ طبيعةً إلهيَّةً، وهذا يجعلُهُ تحتَ حدِّ الجنسِ، وَزَعمُوا أنَّ الابنَ يملكُ هذهِ الطَّبيعةَ فسَاوَوا بينهما، أمَّا مَن زعمَ منهم أنَّ للابنِ طبيعةً بشريَّةً تمثـَّلَتْ بحادثةِ الصَّلبِ فقد طعنَ بعصمتِهِ وجلالِه، فكيفَ يكونُ ذا طبيعةٍ بشريَّةٍ وقد وُجِدَ من أمٍّ بدونِ أبٍ، وهو القائلُ: (وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ)؟

ودُعاةُ النَّاصبةِ زَعَموا أنَّ للهِ يدًا ورجلاً ووجهًا وجلوسًا على الكرسيِّ وطولاً بعشراتِ الأذرعِ كما وردَ في أحاديثِ أبي هريرةَ وكتبِ الحديثِ التِّسعةِ لديهم وما لَحِقَها من قياساتِ ابنِ تيميَّةَ، لذلكَ فإنَّهم جَعَلوا اللهَ واقعًا تحتَ حدِّ الجنسِ، فكانوا كاليهودِ الْمُعطِّلينَ في معتقداتِهم القديمةِ، وعليهم وقعَ قولُ الإمامِ علي الرِّضا علينا سلامُهُ: (مَن شـبَّهَ اللهَ بالخلقِ فهو مُشــرِكٌ، ومَن وَصَفَهُ بالوهمِ فهو كافرٌ، وَمَن نَسَبَ إليهِ ما نَهَى عنهُ فهو كاذبٌ، ثمَّ تَلا هذه الآيةَ: إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ).

ودُعاةُ الْمُقصِّرَةِ والْمُرتدِّينَ الخَونَةِ زَعَموا أنَّ الأئمَّةَ يملكونَ طَبيعَتِينِ: الأولى نورانيَّةٌ قبلَ الخلقِ والثَّانيةُ بشريَّةٌ بعدَ الخلقِ! فهم مُشبِّهونَ مُخَلِّطونَ لا يَدرونَ ما يقولونَ، فتارةً يَرفعونَ الإمامَ الحسينَ علينا سلامُهُ إلى مقامِ صاحبِ الْمَلكوتِ الأعلى، وتارةً يُخضِعونَهُ لطبيعةٍ بشريَّةٍ ضعيفةٍ تجعلُهُ واقعًا تحتَ الذَّبحِ كما أوقعَ النَّصارى سيِّدنا النَّبيَّ الْمَسيحَ (ع) تحتَ الصَّلبِ، وهذا طعنٌ بِعِصـمَتِهما، وعليهم وَقَعَ قولُ رسولِ اللهِ (ص): (ما عَرَفَ اللهَ مَن شبَّهَهُ بالخَلقِ، ولا وحَّدَهُ مَن نَسَبَ إليهِ ذنوبَ العبادِ).

هؤلاء لم يَفقهوا قولَ سيِّدنا هشام بن الحكم (ع): (إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ جسمٌ صَمَدِيٌّ نُوريٌّ معرفَتُهُ ضرورةٌ يَمُنُّ بها على مَن يشاءُ)، فَظَنُّوا أنَّه تجسيمٌ لذاتِ الإلهِ، وإنَّما هو يتحدَّثُ عن إثباتِ الوجودِ الإلهيِّ على قدرِ الْمَوجودِ عندَ التَّجلِّي في قوله تعالى: (إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى)، والْمُشارِ إليهِ في قولِ رسولِ اللهِ (ص): (لَمَّا عَرَجَ بي إلى السَّماءِ بَلَغَ بي جبرائيلُ مكانًا لم يَطَأهُ جبرائيلُ قَطُّ، فَكَشَفَ لي فأرانِي اللهُ عزَّ وجلَّ ما أحبَّ من نورِ عَظَمَتِهِ)، وهذا يؤكِّدُ أنَّ عروجَ سيِّدنا النَّبيِّ محمَّد (ص) لم يكن جسمانيًّا، بل كانَ عُروجُهُ نورانيًّا، لأنَّه لم يَرَ اللهَ مُجَسَّمًا بل رأى استحقاقَهُ من نورِ عظمتِهِ.

ولكن كَي لا يُؤخذَ كلامُ سيِّدنا هشام بن الحكم (ع) على مَحمَلِ التَّشبيهِ الصِّفاتيِّ الذي تقرُّ به الشِّيعةُ الْمُقصِّرَةُ كما في قولِ الصَّدوقِ: (هو تَعَالى مُمتازٌ من غيرِهِ بذاتِهِ التي كلٌّ من صِفاتِها عينُها)، فقد جاءَ جوابُ الإمامِ الصَّادقِ علينا سلامُهُ مُنزِّهًا ذاتَ الإلهِ عن صفاتِ التَّشبيهِ والتَّجسيمِ فقال: (ســـبحانَ مَن لا يَعلمُ ما هُوْ إلا هُوْ، ليـسَ كَمِـثْـلِهِ شَـيءٌ، وهُوَ السَّـميعُ البَصــيرُ، لا يُحَدُّ ولا يُحَـسُّ ولا يُجَـسُّ ولا يُمَـسُّ ولا تُدرِكُهُ الحواسُّ ولا يُحيطُ به شَـيءٌ، لا جسـمٌ ولا صورةٌ ولا تخطيطٌ ولا تحديدٌ)، وهذهِ هي العقيدةُ التي يقومُ عليها نهجُنا العلويُّ النُّصيريُّ الخصيبيُّ بعيداً عن تشبيهِ النَّصارى وتعطيلِ النَّاصبةِ وتَخليطِ الْمُقصِّرَةِ والْمُرتدِّينَ الخَونَةِ لقوله تعالى: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> التشبيه عند الشيعة والنصارى

4 تعليقات
  1. حسام الدين معطي يقول

    طيب الله عيشك دكتور احمد

    1. admin يقول

      عيشك طيب

  2. احمد يقول

    عظم الله اجركم

    1. admin يقول

      اجرك عظيم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger