الـمنطق العلوي

0 2٬900

الـمنطق العلوي

بقلم الأستاذ المهندس:

أسامة حافظ عبدو

 

يُعتبَرُ السَّيدُ أرسطو (الْمُعلِّمُ الأوَّلُ) أوَّل مَن كتبَ عن الْمَنطقِ بوَصفِهِ عِلمًا قائمًا بذاتِهِ، وكان عددُ الْمَقولاتِ عشرةً عندَ أرسطو. وسُمِّيَتْ أبحاثُهُ بـ”أورغانون” فكانَ القياسُ مرفوضًا بنظرِ السَّيدِ أرسطو، وكان الْمَنطقُ صورةَ الاستدلالِ. فالْمَنطقُ إذن بالنِّسبةِ للسَّيدِ أرسطو هو الوسيلةُ للوصولِ إلى الصَّوابِ.

وجاءَ الْمَنطقُ العلويُّ ليُؤَصِّلَ الدِّراسةَ الْمَنهجيَّةَ لشكلِ الاستدلالِ الصَّحيحِ وقوانينِ التَّجلِّي بالْمَعرفةِ الحقيقيَّةِ. فاعتمدَ على دراسةِ البُرهانِ والاستدلالِ، كما عبَّرَ عن ذلكَ الإمام علي (م) بقوله: (لا يُشْــمَلُ بِحَدٍّ، ولا يُحْسَـبٌ بِعَدٍّ، وإنَّما تَحُدُّ الأدواتُ أنفُسَها، وتشيرُ الآلاتُ إلى نظائرِها)، وجمعَ الْمُتناقِضَاتِ بطريقةٍ استثنائيَّةٍ ليرفعَ الحقيقةَ عن التَّناقًضاتِ الوهميَّةِ بدليلِ قول الإمام علي (م): (بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الأمُورِ عُرِفَ أَنْ لا ضِدَّ لَهُ، وبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الأشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لا قَرِينَ لَهُ).

كما أنَّ الْمَنطقَ العلويَّ جاءَ ليُظهِرَ الرَّبطَ بين أفكارِ السَّيدِ أرسطو وتعاليمِ السيِّدِ المسيح (ع) من خلالِ التَّحليلاتِ الْمَنطقيَّةِ والحُجَجِ الفلسفيَّةِ، وهو ما عبَّرَ عنه سيِّدنا المسيح (ع) بقوله: (الحقَّ أقولُ لكم: إنَّ غايةَ كلِّ علمٍ هي تلكَ الحكمةُ)، فالْمَنطقُ الصَّحيحُ هو الذي يُوجِدُ علاقاتٍ محدَّدَةً منطقيَّةً بين الأسبابِ والنَّتائجِ، والذي يشملُ تصنيفَ الحُجَجِ والكشفَ المنهجيَّ الصَّحيحَ، كما دلَّ سيِّدنا المسيح (ع) بقوله: (أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالحَقُّ وَالحَيَاةُ، لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي، لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا).

من خلالِ ما سبقَ نجدُ أنَّ الْمَنطقَ العلويَّ يَعتمدُ على الدِّراسةِ الرَّمزيَّةِ التي تُجسِّدُ جوهرَ السِّماتِ الرَّسميَّةِ للاستدلالِ الْمَنطقيِّ. فعلمُ الْمَنطقِ العلويِّ مرتبطٌ بصحَّةِ الْمَفاهيمِ من خلالِ جوهَرِها الْمَنطقيِّ، لا من خلالِ شكلِها، كما دلَّ سيِّدنا المسيح (ع) بقوله: (لا تَحْكُمُوا حَسَبَ الظَّاهِرِ بَلِ احْكُمُوا حُكْمًا عَادِلاً)، ومِن هنا جاءَ التَّقسيمُ للمَنطقِ إلى نوعَين: الْمَنطقُ الصُّوريُّ الذي دلَّ عليه كلامُ الإمام علي (م): (مَنْ تفكَّرَ أبصرَ)، والْمَنطقُ غيرُ الصُّوريِّ الذي دلَّ عليه كلامُهُ (م): (لاَ عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ، ولاَ عِلمَ كَالتَّفَكُّرِ)، وهو ما يتوافقُ مع ميزانِ الاستدلالِ الذي لخَّصَهُ سيِّدنا المسيح (ع) بقوله: (لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْـتُـمُونِي لَعَرَفْـتُمْ أَبِي أَيْضًا. وَمِنَ الآنَ تَعْرِفُـونَـهُ وَقَدْ رَأَيْـتُـمُوهُ).

لكنَّ البعضَ ربطَ الْمَنطقَ بالرِّياضيَّاتِ مُغالَطَةً بحيثُ جعلَهُ مَنطِقَ القياِس الْمَرفوضِ، والبعضَ الآخرَ ربطَ الْمَنطقَ الصُّوريَّ بالطَّبيعةِ فلم يتوصَّل للحقائقِ، لأنَّ (الصَّنعَةَ على صَانِعِها تَدُلُّ) كما قال الإمام علي (م)، علمًا أنَّ الْمُعَلِّمَ الأوَّلَ السَّيدَ أرسطو أطلقَ على علمِ الْمَنطقِ اسمَ “التَّحليلاتِ” ومِن خلالِهِ توسَّعَتْ العلومُ والرِّياضيَّاتُ، وتطوَّرتِ الرِّياضيَّاتُ من خلالِ الاهتمامِ بالْمَنطقِ الرِّياضيِّ، فقامَ علماءُ الرِّياضيَّاتِ باستخلاصِ البديهيَّاتِ وقواعدِ الاستدلالِ في الْمَنطقِ الرَّمزيِّ، وثبَّتَ ذلكَ أرسططاليس هذه الأمَّة الإمامُ علي (م) بقوله: (به يُعرَف العقلُ لا بالعقلِ يُعرَفُ).

 

الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> المنطق العلوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger