حديث الفرقة الناجية

2 1٬476

حديث الفرقة الناجية

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

كيف يمكنُ أن نفهمَ حديثَ الفرقةِ النَّاجيةِ والنَّاسُ قسمان: مؤمنٌ وكافرٌ؟

 

كلُّ الطَّوائفِ والْمَذاهبِ تُقِرُّ بأنَّ اللهَ قسَّمَ العبادَ إلى قِسمَينِ: مؤمن وكافر، وَسَمَّاهم (أصحابَ اليمين وأصحابَ الشِّمال)، لكنَّ هناكَ فوارقَ كبيرةً بين نظرةِ كلِّ مذهبٍ إلى الإيمانِ والكفرِ!!

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ).

فَمِنَ الذينَ عَاصَرُوا الرُّسُل وَوَاجَهُوا الرِّسَالاتِ، أولئكَ الذينَ كَذَبوا على اللهِ في مَا كانوا يَنسبونَهُ إليهِ، فَعَبَدوا الأصـنامَ تَـقَـرُّبـًا من اللهِ كما جاءَ في الآية الكريمة: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، وَهُمْ لا يَختَلِفُونَ كثيرًا عمَّن جاءَ بَعدَهم مِمَّن عَبَدُوا بعضَ الأنبياءِ والرُّسلِ دونَ بعضٍ، أو مِمَّن عَبَدُوا بعضَ الأئمَّةِ دونَ بعضٍ، أو ممَّن عَبَدوا بعضَ الصَّحابةِ دونَ بعضٍ، أو ممَّن عَبَدوا بعضَ الأسماءِ والصِّفاتِ والأفعالِ دونَ بعضِ، وكلُّ ذلكَ يوجبُ الشِّركَ والكُفرَ والبُعدَ من الرَّحمةِ الإلهيَّةِ لقوله تعالى: (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).

ومِن وجوهِ تكذيبِ الْمُعاصِرين للأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسلِ هو تكذيبُ الْمَعاجزِ والقُدَرِ التي أظهَرُوها، واعتراضُهم على ما رَأَوهُ لأنَّهم أثبَتُوا عليهم البشريَّةَ الضَّعيفةَ وقالوا: لا يمكنُ للبشرِ أن يَقوموا بهذا الفعلِ بل هو فعلُ الْمَلائكةِ، لأنَّهم أخَذُوا بظَاهرِ ما رَأَوهُ مِن بَشَرِيَّتهم مع أنَّ الله تعالى يقول: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، كما نبَّهَ سيِّدنا النَّبيُّ المسيح (ع) في قوله: (إنَّه في الأنبياءِ مكتوبٌ أمثالٌ كثيرةٌ لا يجبُ أن تأخذَها بالحرفِ بل بالْمَعنى).

ثم جاءَ مَن بَعدَهم لِيُكَذِّبوا بشكلٍ آخر، وهو إثباتُ البشــريَّةِ والضَّــعفِ على الأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّســلِ (ع)، وعلى لسانِ كبارِ فقهاءِ ومشايخِ الحشويَّةِ والْمُقصِّرَةِ في كتبهِم وخطبهِم، وكذلكَ في صلواتِ كبارِ رجال الدِّينِ النَّصارى الذينَ يَبكونَ على الْمَصلوبِ الْمُعَلَّقِ على خشبةٍ، كما يبكي كبارُ رجالِ الْمُقصِّرَةِ على الْمَقتولِ في كربلاء، والله تعالى يقول: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا).

أمَّا الْمُؤمنونَ الْمُصَدِّقونَ للأنبياءِ والرُّسلِ فَهُمُ الْمُتَّقونَ، الذين يَعبدونَ اللهَ ويَتَّقونَهُ ويَتحرَّكونَ في صِرَاطِ طاعتِهِ، الذين أحسَنُوا إيمانَهم، خالِصًا من الشَّكِّ بالإمامةِ والوَصيَّةِ، صافيًا من الشِّركِ بعِبَادِةِ غيرِ الذَّاتِ الإلهيَّةِ، صَادِقًا بولايةِ الحقِّ، وأحسَنُوا أعمالَهم، فأطاعُوا اللهَ تعالى بما أمرَهم به وبما نهاهُم عنه، وهؤلاء هم الفرقةُ النَّاجيةُ الْمَنصوصُ عنها في الحديثِ النَّبويِّ الشَّريفِ الذي كذَّبهُ الكثيرُ من أهلِ السُّـنَّةِ والشِّـيعةِ وبعضُ العلويِّينَ لِعَدمِ فهمِهم لِحَقيقةِ الْمُرادِ، فليسَ الْمُرادُ من الحديثِ ما جَرَى من تقسيمِ الْمُسلمين إلى فِرَقٍ ومَذَاهبَ ومِلَلٍ مُختلفةٍ مُتَخالفةٍ (سـنيَّةٍ وشيعيَّةٍ وإسماعيليَّةٍ ودرزيَّةٍ وزيديَّةٍ وعلويَّةٍ وغير ذلك) كما جاءَ في كتبِ سعد القمِّي الأشعري والشَّهرستاني وغيرهم، بل الْمَقصودُ يمكنُ أن يُفهَمَ من قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُـؤْمِـنُـونَ لِـيَنفِـرُواْ كَـآفَّـةً فَلَـوْلاَ نَفَـرَ مِن كُـلِّ فِـرْقَـةٍ مِّـنْهُمْ طَـآئِـفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)، فالفِرَقُ الهَالِكَةُ هم الْمُتَخَلِّفونَ عن سبيلِ اللهِ أيًّا كان انتماؤُهم، وأمَّا أبناءُ الفرقةِ النَّاجيةِ فهم أولئك الذينَ نَفَروا ليَتَفقَّهوا في الدِّينِ ويُنْذِروا قَومَهم، وهم جُنودُ اللهِ في قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ)، قد نَرَاهُم في أيَّةِ بُقعَةٍ على هذه الأرضِ يَقومونَ بوَاجبهِم لإعلاءِ كلمةِ الحقِّ، ويَنفرونَ في سَبيلِها لِيُحَقِّقوا نَجَاتَهم باصطِفائِهم إلى عالمِ الْمَلَكُوتِ الأعلى مع مَن سَبَقَهم من النَّاجين لقوله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> حديث الفرقة الناجية

2 تعليقات
  1. حسام الدين معطي يقول

    طيب الله عيشك دكتور احمد

    1. admin يقول

      عيشك طيب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger