الفرق بين نشر الدين والدفاع عنه

10 1٬372

الفرق بين نشر الدين والدفاع عنه

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

أيُّهما الأصحُّ: نشرُ الدِّينِ أم الدِّفاعُ عن الدِّينِ؟

 

إنَّ طريقةَ التَّفكيرِ عندَ النَّاصبةِ في نشرِ الدِينِ بقيَتْ مُتوارَثةً منذ عَهدِ الفتوحاتِ التي وَصَمَتْ عهدَ الخليفةِ الثَّاني عمر بن الخطَّاب، وما كانَ من نتائِجِها إلاَّ دخولُ أقوامٍ أخرى امتَزَجَتْ عقائِدُها بعقيدةِ الإسلامِ وَعَادَاتُها بتَعَالِيمِهِ فظهرَتْ فِرَقٌ وبِدَعٌ وشُبُهاتٌ ما أنزلَ اللهُ بها من سلطانٍ، وَتَرَسَّخَتْ في عصورِ الأمويِّينَ والعبَّاسيِّين، وكان العهدُ العثمانيُّ من أقسى الْمَراحلِ التي شوَّهت مَعَاني الإسلامِ ورسَّخت دينًا جديدًا باسم الإسلامِ لكنَّهُ غير دين سيِّدنا النَّبيِّ محمد (ص)، وما زالَ النَّاصبةُ يَتوارثونَ في مُجتمعاتِهم الْمُغلَقَةِ تعاليمَ الإسلامِ العُثمانيِّ ويظنُّونَها من تَعَاليمِ رسولِ اللهِ (ص)!! عِلمًا أنَّ عهدَ الرَّسولِ (ص) لم يوسَمْ بعَهدِ الفُتوحاتِ لكنَّهُ كان عهدَ نشرِ الرِّسالةِ السَّماويَّةِ بالتي هي أحسنُ دونَ إجبارٍ لأحدٍ على اعتِنَاقِ الدِّينِ، لأنَّهُ إن اعتنقَهُ بلِسَانِهِ دونَ قلبِهِ كانَ مُنَافقًا كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ)، أمَّا الْمَعَارِكُ والغَزَوَاتُ فلم تكنْ غايتُها نشرُ الدِّينِ بالقوَّةِ كما تُصوِّرُ كتبُ التَّاريخِ بقَدْرِ ما هي لِرَدِّ الظُّلمِ وصَدِّ الشَّرِّ وإعلاءِ كلمةِ الحقِّ بالقوَّةِ، فالقوَّةُ مَطلوبةٌ لإحقاقِ الحقِّ، وليسَ لاعتناقِ الدِّينِ لقولِهِ تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ)، فالإيمانُ أمرٌ فطريٌّ لا يتغيَّرُ لا بدَعوةٍ ولا بدونِها لقوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ).

بالْمُقابلِ سَعَى الْمُقصِّـرَةُ الْمَغلوبُ على أمرِهم تاريخيًّا لِيُمارِسوا نفسَ هذا الدَّورِ ولكن بأسلوبٍ آخر، فلم يَستخدمِ الْمُقصِّـرَةُ سياسةَ السَّيفِ لنشرِ الدِّينِ، لكنَّهم استخدَموا سياسةَ الْمَكرِ والاحتيالِ الفكريِّ، وهذا لم يكن إطلاقًا نهجَ الأئمَّةِ الْمَعصومين علينا سلامُهُم الذينَ التَزَموا مَبدأ الدِّفاعِ عن دينِ اللهِ بتَصحيحِ كلِّ الأخطاءِ التي طالَتِ السُّنَّةَ النَّبويَّةَ، والرَّدِّ على كلِّ الشُّبهات والبدعِ والاحتجاجِ على أصحابها، لكنَّ الشَّغَفَ الشِّيعيَّ بالفتوحاتِ الفكريَّةِ الْمُمَثَّلَةِ بالْمَدِّ الشِّـيعيِّ والاستيعابِ الدِّينيِّ لكلِّ الأقلِّيَّاتِ الإسلاميَّةِ إنَّما هو أسلوبٌ تَوَارَثُوهُ من الْمُجتمعِ الفارسيِّ ما قبلَ الإسلامِ، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ لأنَّ الطَّبعَ الفِطْرِيَّ يَغلبُ التَّطبُّعَ الْمُكتَسَبَ في كثيرٍ من الْمَواقفِ!!

لذلكَ فإنَّنا نجدُ نَهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ يُوَجِّهُنا إلى عَدَمِ نشرِ الدِّينِ لا بالقوَّةِ ولا بالسِّياسةِ، ولا بتنسيبِ الأشخاصِ ليكونوا علويِّينَ نُصَيريِّينَ، كما كان يقولُ لنا بعضُ السُّنَّةِ: أنا سُنِّيٌّ ومُعجَبٌ بكم فكيفَ أصبحُ علويًّا!؟ أو كما كان يقولُ لنا بعضُ الشِّيعةِ: نحنُ الشِّيعة على حقٍّ لأنَّنا استطعنا إقناعَ الكثيرينَ بالتَّشيُّعِ، فلو كانَ العلويُّونَ على حقِّ لَنَشروا دَعوتَهم وأصبحتِ الأكثريَّةُ عَلويَّةً!؟

نحن نسـتغربُ من هذه الطُّـروحاتِ الغريـبةِ لأنَّها غيرُ لائقـةٍ بنهجِ مولانا أميرِ الْمُؤمنينَ الإمامِ عليٍّ (م)، فنحنُ لم نجدْهُ حاملاً سيفَهُ لينشرَ تعاليمَهُ بل لِمُواجهةِ النَّاكثينَ والْمَارقينَ والقاسطينَ، والدِّفاعِ عن جوهرِ الإسـلامِ الْمُتَمَثِّلِ بالدَّعوةِ المحمَّديَّةِ للولايةِ العلويَّةِ، كما كانَ نهجُ سيِّدنا النَّبيِّ محمَّدٍ (ص)، حتَّى لو اضطرَّ الأمرُ للذَّهابِ إلى أرضِ الخَصمِ فهذا ليسَ فتحًا كما حاولَ الْمُؤرِّخونَ تصويرَهُ بقَدْرِ ما هو دفاعٌ عن الوجودِ كما لخَّصَهُ أميرُ المؤمنينَ الإمامُ عليٍّ (م) بقولِهِ: (اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلاَّ ذَلُّوا).

وكانَ أميرُ المؤمنينَ الإمامُ عليٍّ (م) يَفصلُ بينَ خواصِّهِ وعوامِ الْمُسلمينَ، ولكنَّ قولَهُ كانَ عامًّا شاملاً يَسمَعُهُ القاصي والدَّاني، ومن ذلكَ على سبيلِ الْمِثالِ قوله في خطبةٍ له في نهجِ البلاغةِ: (فَإِنَّ الْغَايَةَ أَمَامَكُمْ وَإِنَّ وَرَاءَكُمُ السَّــاعَةَ تَحْدُوكُمْ)، فيفهَمُهُ أهلُ الدِّينِ ويطبِّقونَهُ، ويُحجَبُ عن معرفتِهِ أهلُ الزُّورِ والنِّفاقِ فيكذِّبونَهُ أو يمرُّونَ عليهِ دونَ فهمٍ، بدليلِ ما قالهُ سيِّدنا النَّبيُّ المسيحُ (ع) لليهودِ موبِّخًا: (لَوْ كَانَ اللَّهُ أَبَاكُمْ لَكُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي لأَنِّي خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ وَأَتَيْتُ، لأَنِّي لَمْ آتِ مِنْ نَفْسِي بَلْ ذَاكَ أَرْسَلَنِي، لِمَاذَا لاَ تَفْهَمُونَ كلاَمِي؟ لأَنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَسْمَعُوا قَوْلِي، أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا)، وهذا هو معنى التَّقيَّةِ اللازمةِ للمُؤمنينَ والذي لم يفهمْهُ حتَّى الآنَ الكثيرونَ فيظنُّونَ أنَّ التَّقيَّةَ هي أن يلبسَ العلويُّ النُّصيريُّ لباسَ الحشويَّةِ أو الْمُقصِّـرةِ لِيَدرأَ عن نفسِهِ تُهمةَ الغلوِّ، فيَتَرَضَّونَ عمَّن لَعَنَهم اللهُ ويَلعَنُونَ مَن رَضِيَ عنهم اللهُ بحُجَّةِ التَّقيَّةِ، ولكنَّ هذا يُسَمَّى نِفاقًا ورِيَاءً، لأنَّ التَّقيَّةَ هي أن تقولَ الحقَّ بالأمثالِ لقولِهِ تعالى: (وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> الفرق بين نشر الدين والدفاع عنه

10 تعليقات
  1. حسام الدين معطي يقول

    طيب الله عيشك

    1. admin يقول

      عيشك طيب

  2. كريم يقول

    بارك الله فيكم مقال عميق رغم قصره

    1. admin يقول

      وبارك بك ربي

  3. نديم رهيجة يقول

    الله يعلي مقامك وينور قلبك

    1. admin يقول

      ربي يحفظك

      1. محمد زيتون يقول

        أسعدالله أوقاتكم إخواني!
        بعد ماوصلت لهون مابهمني إذا حظروني عالفيس أوحذفولي اشتراكي عالجهنم اللي تحرقن

        1. admin يقول

          اهلا وسهلا

  4. mkdad يقول

    حياك الله دكتور أحمد

    1. admin يقول

      وحياك ربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger