التكوين في توحيد الأئمة

0 1٬476

التكوين في توحيد الأئمة

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

لابُدَّ مِن وعي أنَّ توحيدنا العلوي لا يُفسِّرُ القرآنَ حسبَ الرَّأي، فهذا ظَنٌّ لا يُغني من الحقِّ شيئًا، وهناكَ كثيرٌ من الآياتِ لا مناصَ من حَملِهَا على المجازِ، وهي تحتاجُ إلى التَّأويلِ وإلاَّ وَقَعَ المحظورُ.

لذلكَ كانَ من الأصولِ الجوهريَّةِ في توحيدنا العلوي علمُ التَّأويلِ؛ أي جواهرُ العلمِ، فالأحكامُ الإلهيَّةُ لا يَعلمُها إلاَّ الخواصُّ من أربابِ الأصولِ الذين يؤكِّدون أنَّ للقرآنِ معانٍ ظاهرةً ومعانٍ خفيَّةً بدليلِ عدَّةِ أمثلةٍ من القرآنِ الكريمِ. فإذا قال تعالى: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)، فهل يمكن تصوُّرُ يدٍ للهِ؟ وإذا قال تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، فهل يجوزُ تصوُّر الحصرِ للهِ تعالى؟

 

إنَّ مسلكَ أهلِ التوحيد العلويِّ أصحابِ الإيقانِ هو بدايةُ استواءِ مَظهرِ النُّورِ الواحديِّ في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، لقول الإمام الصَّادق علينا سلامُهُ: (استَوَى على كلِّ شيءٍ، فليسَ شيءٌ أقربُ إليهِ من شيءٍ، لم يَبعُدْ منهُ بعيدٌ، ولم يَقرُبْ منه قريبٌ)، فالماهيَّاتُ تخصُّ المعقولاتِ المجرَّداتِ وهي أركانُ البيتِ الإلهيِّ.

والكلامُ عن العرشِ له أهميةٌ بنظرِ القرآنِ الكريمِ والحديثِ النَّبويِّ الشَّريفِ، فالآيةُ المذكورةُ تُعرِّفُ النِّسبةَ الخاصةَ للعرشِ الـمُدَبِّرِ للأمورِ لقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)، فالعرشُ والكرسيُّ هما العلمُ والقدرةُ، والخلـقُ والأمـرُ يُعـبَّـرُ بهما عن عالَـمِ الـغيبِ والشَّـهادةِ، فعالمُ الخلقِ ما يتعلَّقُ بالمادَّةِ، وعالمُ الأمرِ ما كانَ مجرَّدًا عنها، ويُشارُ بهما إلى قوله تعالى: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ).

فالـمشـــيئةُ والإرادةُ أزليةٌ وأبديَّةٌ، لقول الإمام الصَّــادق علينا سلامُهُ لسيِّدنا المفضل بن عمر (ع): (يا مفضل، إنَّ المشيئةَ مُحدَثَةٌ، وصفاتُ الذَّاتِ العلمُ والقدرةُ وغيرُها هي صفاتٌ مُحدَثَةٌ)؛ وكذلك قول الفيلسوفِ الأعظم أرسطو: (اللهُ يَتَنَزَّهُ عن الإرادةِ، لأنَّ الإرادةَ تقتضي الطَّلبَ واللهُ لا يَطلبُ)، والـمُحْدَثاتُ بالنِّسبةِ للقدراتِ كنورِ الشَّمسِ بالنِّسبةِ للشَّمسِ، بدليلِ قولِ الإمام الصَّادق علينا سلامُهُ: (فَتَقَ من الرَّتْقِ)؛ وهذا هو القولُ بأنَّ العقلَ الأوَّلَ هو فعلُ وصفةُ الفاعلِ لكلِّ مَفعولٍ، وبهذا المعنى جاء قولُ سيِّدنا المسيح (ع): (قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي).

وقد وردَ عن سيِّدنا رسولِ اللهِ (ص) في تحفِ العقولِ عن آل الرَّسولِ قولُهُ عن العقلِ الأوَّلِ: (إنَّ اللهَ خَلَقَ العقلَ فقالَ له: أقبِلْ فأقبَلَ. وقال له: أدبِرْ فأدبَرَ. فقالَ الله تبارك وتعالى: وعزَّتي وجَلالي ما خَلَقْتُ خلقًا أعظمَ منكَ ولا أطوعَ منكَ، بِكَ أبدأُ وبكَ أعيدُ، لكَ الثَّوابُ وعليكَ العِقَابُ).

وقد زعمَ البعضُ أنَّ الصُّورةَ المحسوسةَ تقومُ بالصُّورةِ المجرَّدةِ متذرِّعينَ بقولِ سيِّدنا محمَّد (ص): (إنَّ اللهَ خلقَ آدمَ على صورَتِهِ) فوقعوا بالتَّشبيهِ الذي اقتضاهُ ظاهرُ النَّصِّ، لأنَّ الهاءَ في صورتِهِ راجعةٌ إلى النَّبيِّ آدمَ (ع) دونَ اللهِ تعالى حيث سُئلَ الإمامُ الباقرُ عن هذا الحديثِ فقال علينا سلامُهُ: (هي صورةٌ محدَثَةٌ مخلوقةٌ واصطفاها اللهُ واختارَها على سائرِ الصُّورِ المختلفةِ، فأضافَها إلى نفسِهِ كما أضافَ الكعبةَ والروحَ إلى نفسِهِ فقال: “بيتي”، وقال: “وَنَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوحِي”).

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> التكوين في توحيد الأئمة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger