الزواج من المذاهب الأخرى

4 5٬178

الزواج من المذاهب الأخرى

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

هل تحرِّمُ الطَّائفةُ العلويَّةُ الزَّواجَ من الْمَذاهبِ الأخرى؟

 

هذا السُّؤالُ له عدَّةُ تشعُّباتٍ، ويمكنُ الإجابةُ عليهِ من جانبين:

  • الجانبُ الأوَّل: زواجُ العلويِّ من مذهبٍ آخر:

رَوَى سيِّدُنا هشام بن الحكم عن مولانا الإمامِ جعفر الصَّادق علينا سلامُهُ أنَّه قالَ: (إذا تَزَوَّجَ الرَّجلُ الْمَرأةَ لِمَالِها أو جَمَالِها لم يُرْزَقْ ذَلِكَ، فإنْ تَزَوَّجَها لِدِينِها رَزَقَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ جَمالَها وَمَالَها)، وهذا يعني أنَّ الرَّجلَ الْمُؤمنَ يبحثُ في زواجِهِ عن أخلاقِ مَن يتزوَّجُها ودينِ أهلِها والعقيدةِ التي هم عليها دونَ أن يطمعَ بمالِها أو يُغرَمَ بجمالِها، فالْمَالُ والجمالُ يذهبانِ، وهُما من شهواتِ النَّاسِ الْمُقصِّرينَ لقوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمآبِ)، لكنَّ مَن أخذَ الدِّينَ بعينِ الاعتبارِ رُزِقَ الْمَالَ والجمالَ مع الدِّينِ وكان دلالةً على حُسنِ خُلُقِهِ.

كما وردَ عن الإمامِ جعفر الصَّادق علينا سلامُهُ أنَّه قالَ: (لا يتزوَّجُ الْمُؤمنُ النَّاصِبَةَ الْمَعروفةَ بذلكَ)، والنَّاصبةُ هم مَن نصَبوا عداءً لسيِّدنا محمَّدٍ وآلِهِ (ص)، وهم الذينَ يحملونَ مُعتقدَ التَّكفيرِ لكلِّ مَن وَالى الإمامَ علي (م) والأئمَّةَ الْمعصومين علينا سلامُهُم وخواصَّ خواصِّهم، أمَّا مَن كانوا من أبناءِ الْمَذاهبِ الأخرىَ ولا يحملونَ هذا العداءَ فلم يَشملهُمُ هذا الحديثُ.

ومن أمثالِ ذلكَ إظهارُ الزَّواجِ بين سيِّدنا رسولِ اللهِ محمَّد (ص) وعائشةَ بنت أبي بكر فكانَ ذلكَ قبلَ أن يَظهرَ العداءُ منها للإمامِ عليٍّ (م) والذي اتَّضحَ في واقعةِ الجملِ، وعلى الرَّغمِ من أنَّها مُسلمةٌ إلاَّ أنَّها لم تُنجبْ لأنَّها نصَبَتِ العِدَاءَ فلم يُثمرْ هذا الزَّواجُ، ودلالةُ ذلكَ أنَّ الزَّواجَ من النَّاصبةِ لا يُنتِجُ ذرِّيَّةً، ورغمَ علمِ سيِّدنا النَّبيِّ محمَّدٍ (ص) بالغيبيَّاتِ، إلاَّ أنَّ ذلكَ كانَ على سبيلِ التَّعليمِ لنا.

أمَّا عن إظهارِ الزَّواجِ بماريةَ القبطيَّةِ (ع) وهي نصرانيَّةٌ، فقد أنجبَتْ إبراهيم (ع) لأنَّها- وإنْ كانت على غيرِ دينِ الإسلامِ قبلَ الزَّواجِ- لم تكُ ناصبةً للعداءِ لسيِّدنا محمَّد (ص) فكانت الثَّمرةُ إنجابَ إبراهيمَ (ع) ودلالَتُها الذُّرِّيَّةُ الصَّالحةُ التي تأتي من أبٍ مؤمنٍ وأمٍّ صالحةٍ ممثولةٍ بالشَّجرةِ في قولِ سيِّدنا النَّبيِّ الْمسيح (ع): (مَا مِنْ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تُثْمِرُ ثَمَرًا رَدِيًّا وَلاَ شَجَرَةٍ رَدِيَّةٍ تُثْمِرُ ثَمَرًا جَيِّدًا، لأَنَّ كُلَّ شَجَرَةٍ تُعْرَفُ مِنْ ثَمَرِهَا. فَإِنَّهُمْ لاَ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ تِينًا وَلاَ يَقْطِفُونَ مِنَ الْعُلَّيْقِ عِنَبًا).

والخلاصةُ: إنَّ زواجَ العلويِّ من غيرِ العلويَّةِ لا تحريمَ فيه إن كانت متحرِّرةً من التَّعصُّبِ غير ناصبةٍ العداءَ لأهلِ البيتِ وخواصِّهم، ويقعُ فيه الخيرُ إن كانت امرأةً طائعةً لزوجِها حافظةً لدينِهِ ساترةً لنفسِها، أمَّا إن كانت متعصِّبةً لِمَذهبِها أيًّا كانَ، وحاقدةً على العلويَّةِ النُّصيريَّةِ وناصبةً العداءَ لأهلِ البيتِ وخواصِّهم فلا يحلُّ إطلاقًا، وإنْ وقعَ فلا خيرَ فيه.

 

  • الجانبُ الثَّاني: زواجُ العلويَّةِ من مذهبٍ آخر:

كتبَ الحسين بن بشار الواسطيُّ إلى الإمام علي الرضا علينا سلامُهُ أنَّ له قرابةً قد خَطَبَ إليهِ ابنتَهُ وفي خُلُقِهِ سوءٌ فقالَ: (لا تُزوِّجْهُ إن كانَ سَيِّئَ الخُلُقِ)، وهذا يعني أنَّهُ لا يجوزُ تزويجُ بناتِنا لِمَن كان سيِّئَ الخُلُقِ كأنْ يكونَ مجرمًا أو لصًّا أو مُرابيًا أو لاعبَ قمارٍ أو سِكِّيرًا عربيدًا، حتَّى لو كانَ علويًّا بالولادةِ، وفي ذلك وردَ أنَّ أحدَ أصحابِ الإمامِ محمَّد الباقر علينا سلامُهُ كتبَ حولَ رجلٍ خطبَ إليهِ ابنتَهُ فكتبَ علينا سلامُهُ: (مَن خَطَبَ إليكُم فَرَضِيتُم دينَهُ وأمانَتَهُ كائنًا مَن كانَ فَزَوِّجوهُ، وإن لم تَفعلوا تَكُن فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ كبيرٌ).

كما قال الإمامُ جعفر الصَّادق علينا سلامُهُ: (لا يَنبغي للرَّجُلِ الْمُؤمنِ منكم أن يتزوَّجَ النَّاصبيَّةَ، ولا يُزَوِّجَ ابنتَهُ ناصِــبًا ولا يَطرَحَها عِندَهُ)، وقد أوضَحنا معنى النَّاصِـبِ أعلاهُ، والْمُؤمنُ لا يَتزوَّجُ ولا يُصاهرُ مَن نصبَ العداءَ للأئمَّةِ علينا سلامُهُم وخواصِّهم.

وقد يتساءلُ أحدٌ فيقولُ: كيفَ تزوَّجَ عثمانُ بن عفَّان من رقيَّةَ وآمنةَ بناتِ رسولِ اللهِ (ص) حسبَ روايةِ الحشويَّةِ فنقولُ: إنَّ آمنةَ لم تتزوَّجْ بزوجٍ وغابَتْ قبلَ غيبةِ رسولِ اللهِ (ص)، أمَّا رقيَّةُ فخطبَها عثمانُ لكنَّها غابَتْ قبلَ أن تجتمعَ به، والقصةُ مشروحةٌ في كتابِ الهداية الكبرى.

وإنْ كانَ غيرَ علويٍّ لكنَّهُ ينتمي إلى قومٍ ناصَبوا العداءَ لسيِّدنا محمَّدٍ وأهلِ بيتِهِ (ص) ولا يبدو عليهِ أنَّهُ ناصبيٌّ فهو الشَّكاكُ الذي ليسَ له عداوةٌ فلا يُعانِدُ الحقَّ ولا يُواليهِ، وهو ما يُسمَّى في هذه الأيام (متحرِّرٌ وغيرُ طائفيٍّ)، وفيه قال الإمامُ جعفر الصَّادق علينا سلامُهُ: (لا تُزوِّجوهُم الشَّكَّاكَ لأنَّ الْمَرأةَ تأخذُ من زَوجِها ويَقْهَرُها على دينِهِ).

ولابدَّ في النِّهايةِ من التَّفريقِ بينَ الْمُؤمنِ العلويِّ النُّصَيريِّ القويِّ الْمُلتزمِ بوصايا الأئمَّةِ الْمعصومين، والعلويِّ الْمُقصِّرِ الذي قد يخرجُ عن هذه الوصايا لأنَّه لا يستطيعُ الالتزامَ بها لِضَعفِهِ، وقد أوردْتُ جوابي مبنيًّا على أحاديثِ أهلِ العصمة ليكونَ الجوابُ مستندًا إلى النَّصِّ الثَّابتِ بعيدًا عن القياسِ والاجتهادِ.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> الزواج من المذاهب الأخرى

4 تعليقات
  1. سامر+علي يقول

    عليك السلام والرحمة

    1. admin يقول

      وعليك السلام

  2. سليمان يقول

    بوركت يااخي

    1. admin يقول

      بوركت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger