الانفعالية في الحوار الديني

2 1٬289

الانفعالية في الحوار الديني

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

لِمَاذا تزدادُ الانفعاليَّةُ والعصبيَّةُ في الحواراتِ الدِّينيَّةِ؟ وهل من طريقِ لحلِّ هذه الظَّاهرةِ؟

 

لعلَّ من أبرزِ المشكلاتِ التي يعاني منها شبابُنا هي مشكلةُ الانفعالِ والتَّهوُّرِ في الحكمِ على الأمورِ الدِّينيَّةِ، ومِن الطَّبيعيِّ أن تؤثِّرَ هذه الظَّاهرةُ سلبًا في رؤيتِهم للواقعِ وللأشياءِ وللأشخاصِ، فيفقدونَ وضوحَ الرُّؤيةِ، وتختلطُ الصُّورةُ الحقيقيَّةُ في عيونِهم بصورٍ زائفةٍ، وترتبكُ خطواتُهم، لأنَّ الانفعالَ يُغرقُ شــخصيَّتَهم في أجواءٍ ضـبابيَّةٍ غارقةٍ بالسِّــحرِ والإغراءِ، لأنَّه يتعاملُ مع العاطفةِ، ولا يتعاملُ مع الفكرِ، ما يجعلُ للتَّسرُّعِ دورًا كبيرًا فيما يصدرُهُ الشَّابُّ من حُكْمٍ، وفيما يُخَلِّفُهُ من انطباعٍ، وفيما يتَّجهُ إليهِ من غاياتٍ، وبذلكَ يفقدُ الحكمُ حيثيَّاتِهِ الهادئةَ الْمُتَّزنَةَ، ويغيبُ التَّركيزُ.

وأبرزُ نتائجِ الانفعاليَّةِ السَّلبيَّةِ هي العصبيَّةُ القبليَّةُ والعشائريَّةُ، فَصَانِعو الفتنِ عبر التَّاريخِ كانوا يستغلُّونَ عواطفَ النَّاسِ وجهلَهم بالأمورِ، ويُحرِّضونَهم عن طريقِ استثارةِ العواطفِ وسَحرِهم بفتنةٍ ما لِيَنجرُّوا وراءَ صاحبِ الفتنةِ بعماءٍ مُطلَقٍ.

فلنتفكَّرَ قليلاً: لو تخلَّصَ السُّنَّةُ من انفعالِهم لأقسَــطوا الْمَوازينَ وعرفوا أنَّ الإمامَ عليٍّ (م) وفاطمة الزَّهراء (ع) والحســنَ والحســينَ علينا سلامُهُم هم الأقربُ منزلةً والأجلُّ درجةً بينَ أصحابِ النَّبيِّ محمَّد (ص)، ولَمَا الْتَبَسَ عليهم التَّاريخُ الإسلاميُّ الحافلُ بالخياناتِ والْمُؤامراتِ، فلا تجدُ حينَها أحدًا من النَّاصبةِ يكفِّرُ العلويِّين النُّصيريِّينَ لأنَّهُ أعْمَلَ فكرَهُ ووعيَهُ ولم يَنْجَر وراءَ فتوى اللَّعين ابن تيميَّةَ القاتل بفتواهُ لكلِّ علويٍّ جاءَ في عصرِهِ حتَّى الآن، ولكنَّ الانفعاليَّةَ والعصبيَّةَ أودَتْ بقسمٍ كبيرٍ منهم للَّحاقِ بركبِ العرعورِ والقرضاوي والعريفي وغيرهم من المجرمين التَّكفيريِّين، وحدثَ ما حدثَ في سورية والعالم العربي.

ولو تخلَّصَ الشيِّعةُ الْمُقصِّرَةُ من انفعالِهم لَمَا رأيناهم يَمتهنونَ السُّبابَ والشَّتائمَ للمُخالفينَ في عهدِ رسولِ اللهِ (ص)، لأنَّ الشَّتمَ والسَّبَّ يؤجِّجُ النِّيرانَ والعداواتِ، ولهذا نجدُ العراقَ مُشتَعِلاً وَسَيبقى مُشتَعِلاً إلى الأبدِ بسببِ الانفعاليَّةِ في التَّعاطي مع الواقعِ الحياتي، وقد قال مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (إنِّي أكرهُ لكم أن تكونوا سبَّابينَ، ولكنَّكم لو وصفتُم أعمالَهم وذكرتُم حالَهم لَكانَ أصوَب) لكنَّهم لا يلتزمونَ قولَ الإمامِ الذي يَدَّعون الانتماءَ لنَهجِهِ، وهذا يؤكِّدُ انحرافَهم عن النَّهجِ الإماميِّ والتحاقَهم بمذاهبِ شيوخِ العمائمِ الْمُتخالفينَ أصلاً، فقسمٌ لحقَ بعلي السِّيستاني، وقسمٌ لحقَ بكمال الحيدري، وقسمٌ ركبَ مركبَ الشِّيرازيَّةِ التي ينطق باسمِها ياسر حبيب وعبد الحليم الغزِّي، ولكلٍّ منهم مشروعُهُ الخاصُّ في نشرِ الدَّعوةِ الشِّيعيَّةِ، فإذا وقفتَ في طريقِهم انْفَعَلُوا وقَاموا بِشَتمِكَ وسَبِّكَ وتكفيرِكَ وَوَصْفِكَ بالغلوِّ وتركِ الشَّريعةِ وإباحةِ الْمُحرَّماتِ!!

واليومَ يَشوبُ مجتمعَنا العلويَّ بعضُ الانفعاليِّينَ الذينَ يصطادُهم بعضُ الظَّلاميِّينَ الْمُنافقينَ الذينَ يَسعونَ لنشرِ بدعِهم وفتَنِهم في صفوفِ الإخوانِ، فَتَراهُم يشتمونَ العلاَّمةَ الْمُؤمنَ (ق)، ويحاولونَ النَّيلَ مِن سُمعَتِهِ ومِن سمعةِ مَن انتهجَ نهجَهُ ودافعَ عن فكرِهِ، ويقذفونَهُ بما ليسَ فيهِ مع أنَّ رسولَ اللهِ (ص) حذَّرَ من ذلكَ في وصيَّةٍ لأبي ذر الغفاري (ع) حينَ قال: (يا أبا ذر، إيَّاكَ والغِيبة، فإنَّ الغيبةَ أشدُّ من الزِّنى. يا أبا ذر، سُبابُ الْمُؤمنِ فُسُوقٌ وقتلُهُ كفرٌ وأكلُ لحمِهِ من معاصي اللهِ، وحرمةُ مالِهِ كحرمةِ دمِهِ)، فقال: وما الغيبةُ يا رسول الله؟ قال (ص): (ذِكرُكَ أخاكَ بما يكرهُ)، فقالَ: وإنْ كانَ فيه ذاك الذي يُذكَرُ به؟ فقال (ص): (إن ذكرتَهُ بما هو فيه فقد اغتبْتَهُ، وإن ذكرتَهُ بما ليسَ فيه فقد بَهَتََّهُ). كما وردَ عن أميرِ المؤمنينَ الإمامِ علي (م) أنَّه قال لأحدِ أصحابِهِ: (اجتنبِ الغِيبةَ فإنَّها إدامُ كلابِ النَّارِ، كذبَ مَن زعمَ أنَّهُ ابنٌ من حلالٍ وهو يأكلُ لحومَ إخوانِهِ بالغيبةِ).

وكم نتعرَّضُ اليوم لهذا البُهتان من الْمُرتدِّينَ الْمُتشـيِّعينَ الخَونةِ الحاقدينَ الْمُنافقينَ الْمُتطاولينَ على أدبِ الأئمَّةِ الْمَعصومين علينا سلامُهُم، فنجدُهم يسبُّوننا ويَلعنونَنا ويَفترونَ علينا ويُهدِّدوننا لأنَّنا نقفُ في مواجهةِ مَن يريدُ أن يغتصِبَ نهجَنا الْمَعصومَ، ونتمسَّكُ بعروةِ أميرِ المؤمنينَ الإمامِ علي (م) الوثقىَ التي قال تعالى فيها: (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)، ونسلكُ سبيلَ العلاَّمةِ الجليلِ (ق) في دحضِ الشُّبهاتِ والأباطيلِ، فبماذا إذن يختلفُ هؤلاء الْمُفترونَ عن سُنَّةِ ابنِ تيميَّةَ وشيعةِ محمد مهدي الشِّيرازي؟ ألا تليقُ بهم مقولةُ سيِّدنا النَّبيِّ المسيح (ع): (يا أولادَ الأفاعي، كيف تقدرونَ أن تتكلَّموا بالصَّالحاتِ وأنتم أشرار؟ فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ الْفَمُ)!؟

هم وأولئكَ صنفٌ واحدٌ يهمُّهُ إرضاءُ شيطانِهِ، فالحذرُ كلُّ الحذرِ يا أبناءَ وطني من أهل الظُّلماتِ الفكريَّةِ الْمُفتِنَةِ الْمُقزِّزَةِ، فالظُّلماتُ الفكريَّةُ سادَتْ علينا أمويًّا وعبَّاسيًّا وعثمانيًّا وفرنسيًّا، ونحن اليومَ في زمنٍ حانَ للظُّلماتِ فيه أن تنقشعَ، وللنُّورِ أن يملأ الأرجاءَ بالعلمِ الرَّاقي والانفتاحِ الصَّافي، لنفهَمَ أنَّ عبارةَ (أنا أو لا أحد) باطلةٌ، وأنَّ علينا أن نتعايشَ باحترامٍ، ونقبلَ بوجودِ بعضِنا على اختلافاتِنا، وأن نتحادثَ ونتناقشَ ونتبادلَ أفكارَنا دون تعصُّبٍ أو غباءٍ مقرونٍ بالشَّتمِ لبعضنا والسَّبِّ واختلاقِ القصصِ والأكاذيبِ.

وكم أتحسَّسُ اليومَ العقابَ الإلهيَّ على هذه الأرضِ نتيجةَ الجهلِ والعمى والْمُخالفاتِ الْمُتراكمةِ والمحارَبةِ الشَّرسةِ لأهلِ الحقِّ، والتي بدأت بجريمةِ قابيلَ الأولى، ومرَّتْ بمحاربة كلِّ الأنبياءِ، وبالعداوةِ لأميرِ المؤمنينَ الإمام علي (م) وأهل البيتِ المعصومين علينا سلامُهُم، ووصلَتْ إلى امتهانِ سمعةِ أصحابِهم الْمُقرَّبينَ وأتباعِهم الْمَيامين: فاتَّهموا سيِّدَنا أبا الخطَّاب محمد بن أبي زينب الكاهلي (ع) بادِّعاءِ النُّبوَّةِ، واتَّهموا سيِّدَنا المفضَّلَ بن عمر (ع) بالغلوِّ، واتَّهموا سيِّدَنا أبا شعيب محمد بن نصير (ع) بالغلوِّ وادِّعاءِ النُّبوَّةِ وطَعَنوا بأخلاقِهِ، واتَّهموا سيِّدَنا الحسين بن حمدان الخصيبي (ع) بالغلوِّ، وطَعنوا بنسبِ وانتماءِ سيِّدَنا الْمَيمونِ بن القاسمِ الطَّبرانيِّ (ق) وزعموا أنَّهُ حاخامٌ يهوديٌّ، وحاربوا كلَّ عالمٍ من علمائِنا حتَّى وصلوا اليومَ ليتَّهمونا بنفسِ التُّهم لأنَّ أسلوبَهم القذرَ واحدٌ وطريقَتَهم الدَّنيئةَ واحدةٌ في الْمَكرِ والتَّلبيسِ واستنهاضِ الْمَشاعرِ الانفعاليَّةِ عندَ الأغلبيَّةِ اللاعقلانيَّةِ، ولكنَّ النَّتيجةَ في النِّهايةِ كما قال تعالى: (وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> الانفعالية في الحوار الديني

2 تعليقات
  1. فراس سليمان يقول

    على ذاتك السلام

    1. admin يقول

      وعليكم السلام

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger