الأمثال القرآنية.. معانيها ودلالاتها

0 1٬676

الأمثال القرآنية.. معانيها ودلالاتها

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

قال تعالى: (وَيَضْرِبُ اللّهُ الأمثال لِلنَّاسِ). فَبـِمَنْ ضَرَبَ اللهُ الأمـثالَ؟ وما هو الفـرقُ بين الـمَثَـلِ والـمَمثولِ؟

إن بدعَ الحلولِ والإنكارِ كانت ولا زالَتْ تستهدفُ حبلَ اللهِ العلويِّ المتينِ، لِتُوهِنَهُ وتُخْرِجَهُ من مَتَانَتِهِ، وتُبعِدَ النَّاسَ عن مبادئِ عَقيدَتِهم، وتُفَرِّقَهُم إلى آراءَ شتَّى.

لقد حاولَ المُشبِّهونَ تَحويرَ صميمِ العقيدةِ العلويَّةِ نتيجةَ انتحالِهم لأسلوبِ التَّحريفِ والتَّزييفِ، فوَقَعَ هؤلاء الـمُشـبِّهونَ كما سادَتُهم الـمُتشـيِّعونَ بالحلولِ في فهمِ الأمثالِ التي ضَرَبَها تعالى للنَّاس، حيث جَعَلُوا الـمَثلَ حقيقةً للمَمثولِ، ولم يُفرِّقُوا بين الـمَثلِ المضروبِ والغايةِ من ضَربِهِ.

ففي قصَّةِ سيِّدنا النَّبيِّ موسى (ع) وَقَعوا بالحلولِ، إذ رَفَعوا سيِّدَنا النَّبيَّ موسى (ع) من مقامِ الوجودِ الكاملِ الذي هو الفعلُ العاقلُ إلى واجبِ الوجودِ الذي له مقامُ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ. فما هذا الهراءُ الذي يَتَخبَّطونَ فيه؟

إنَّ قصَّةَ سيدنا النَّبيِّ موسى (ع) ومعجزاتِهِ كما وردَتْ في الذِّكرِ الحكيمِ أنَّ الله تعالى قال: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى)، فاليمينُ هنا اليدُ، واليدُ الفعلُ والقوَّةُ، وهذا الفعلُ والقوَّةُ تكوينيٌّ لسيِّدنا موسى (ع)، لأنَّ كافَ الخطابِ راجعةٌ إليهِ، وهناك حكمةٌ ربَّانيَّةٌ، حيثُ أجاب سيدنا النَّبيُّ موسى (ع): (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى)، فالعصا المباركةُ هي مثالُ مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ المماثِلَةِ للفعلِ العاقلِ، لذلكَ قالَ: (عَصَايَ)، ولم يقل: (عَصَا)، والدَّلالةُ بذلكَ إلى وجودِ واجبِ الوجودِ على قَدْرِ سيدنا النَّبيِّ موسى (ع)، ثم قال تعالى: (قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى، فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) ثم قال: (قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى).

إنَّ سمةً الحيَّةِ هي سِمَةُ مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ المتحرِّكَةِ، فالحيَّةُ إذنْ هي العصا من ناحيةِ الحقيقةِ، ولكنَّ العصا ليسَتْ حيَّةً من ناحيةِ الشَّكلِ، وهذا يماثلُ قولَ سيدنا النَّبيِّ المسيح (ع): (إنَّ الواحدَ هو الأحدُ ولكنَّ الأحدَ ليسَ واحدٌ)، لأنَّ السِّماتِ والحدودَ التي ظهرَتْ بالسَّعي تُماثِلُ السِّماتِ والحدودَ الـمُوســـويَّةَ، فَمَن جعلَ حقيقةَ العصــا حيَّةً فقد أنكرَ الـمُعجزَ الإلهيَّ وصارَ بذلكَ منكرًا لواجبِ الوجودِ، وَمَن قالَ بأنَّها بالحقيقةِ حيَّةٌ وَعَصا وقعَ بالتَّشبيهِ، وهو بذلكَ التَّشبيهِ يكون قد سَاوَى بين سيدنا النَّبيِّ موسى وَمَولاه، وهذا لا يجوزُ، لأنَّهُ شِركٌ باللهِ، لقولِ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (أشهدُ أنَّ مَن سَاواكَ بشيءٍ من خَلقِكَ فقد عَدَلَ بِكَ، والعادلُ بِكَ كافِرٌ).

أمَّا أهلُ التَّوحيدِ الخالصِ فَيَعلمونَ أنَّ العصا لم تَبدُ كالحيَّةِ إلاَّ بعدَ الإلقاءِ وليسَ قبلَهُ، للدَّليلِ على أنَّ السِّماتِ والحدودَ لا تُطلَقُ عليهِ إلاَّ بعدَ إظهارِ الأفعالِ، فلا يُقالُ فاعلٌ إلاَّ بعدَ إظهارِ الفعلِ، وليسَ الفعلُ حقيقةً لذاتِ الفاعلِ الـمُقدَّسَةِ.

أمَّا الحيَّةُ فإنَّها تَسعى، ولم يقل بأنَّ العصا هي التي تَسْعَى، لأنَّها كانت ساكنةً، فالحركةُ إذَنْ بعدَ السُّكونِ، لأنَّ الحركةَ مثالُ مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ، أمَّا السُّكونُ فهو رمزٌ إلى إفرادِ ذاتِ واجبِ الوجودِ.

ثمَّ عادَ الأمرُ الإلهيُّ يَصدُرُ: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى) فَوَضَع سيدنا النَّبيُّ موسى (ع) يَدَهُ في جَيبِهِ وأخرَجَها فإذا هي تتلألأ، فَفِعلُ الإدخالِ والإخراجِ ارتبطَ باليدِ، لأنَّ اليدَ دَلَّتْ على أنَّ الفعلَ والقوَّةَ حقيقةٌ تكوينيَّةٌ لسيدنا النَّبيِّ موسى (ع)، لِيَدُلَّ على مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ وإنْ أبْدَى أفعالاً تماثلُ الفعلَ الكاملَ، لكنَّها تَبقى أفعالٌ وجوديَّةٌ فقط.

وأظهَرَ سيِّدُنا النَّبيُّ موسى (ع) الـمُعجزاتِ على الـمَلأ باجتماعِهِ مع السَّحرَةِ أمامَ فرعونَ لَعَنَهُ اللهُ، لتكونَ الحجَّةُ الرَّبَّانيَّةُ تامَّةً وكاملةً لذلك أَسْلَمَ السَّحَرَةُ كما في قوله تعالى: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى). وهنا لابدَّ من طَرحِ بعضِ التَّساؤلاتِ: لماذا ألقَى السَّحرَةُ عِصِيَّهُم في البدايةِ ثمَّ ألقاها سيِّدُنا النَّبيُّ موسى (ع)؟ ولماذا سُمِّيَ عَمَلُهُم سِحرًا، بينما سُمِّيَ فعلُ سيِّدنا النَّبيِّ موسى (ع) معجزةً؟

لأنَّ أفعالَ السَّحرةِ كانت ناقصةً ولم تكتملْ فَعِصِيُّهُم تحوَّلَتْ إلى ثعابينَ لكنَّها لم تَرجعْ بعدَ ذلكَ إلى حالِها الأوَّلِ، أمَّا عَصَا سيِّدِنا النَّبيِّ موسى (ع) فقد تحوَّلَتْ بدايةً إلى حيَّةٍ، ثم تَلَقَّفَتْهُم، ثمَّ عادَتْ إلى حَالِها الأوَّلِ، وهذا له دلالةٌ إيمانيَّةٌ، فأهلُ التَّشبيهِ يَقفونَ عندَ مرحلةِ الإثباتِ ولا يَستطيعونَ تَجاوزَها، فَيُثبِتُونَ على الذَّاتِ الـمُقدَّسَةِ الحدودَ والسِّماتِ ثمَّ يَجعلونَها حقيقةً لها وهذا شركٌ باللهِ، لذلكَ فإنَّ توحيدَهُم خاطئٌ. أمَّا أهلُ الإيمانِ واليقينِ فَيُثبِتُونَ وجودَ الذَّاتِ الـمُقدَّسَةِ في السَّماواتِ والأرضِ، ثم يُفرِدُونَ ذاتَ واجبِ الوجودِ عن جميعِ هذهِ السِّماتِ والحدودِ لِيَبلُغُوا بذلكَ درجةَ الإخلاصِ في التَّوحيدِ، وهذا مِثَالُهُ في القصَّةِ أنَّ العَصَا تَحَوَّلَتْ إلى حَيَّةٍ ثمَّ عَادَتْ إلى عَصَا.

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> الأمثال القرآنية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger