الإيمان بالتقمص ويوم القيامة

8 4٬944

الإيمان بالتقمص ويوم القيامة

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

ما هي حُجَّتُكم لإثباتِ التَّقمُّصِ؟ وهل تؤمنُونَ بيومِ القيامةِ؟

 

يتَّهِمُنا كلٌّ من السُّنَّةِ والشِّيعةِ بأنَّنا لا نؤمنُ بيومِ القيامةِ على اعتبارِ أنَّنا نؤمنُ بالتَّقمُّصِ!! وذلكَ لقُصورِ فَهمِهم لهذا الْمَبدأ العظيمِ الدَّالِّ على العَدلِ الإلهيِّ التَّامِّ في خَلقِهِ.

إنَّ التَّقَمُّصَ مَصْدَرُهُ تَقَمَّصَ، أي لَبـِسَ القميصَ، فهو خَلعُ الجسمِ القديمِ ولبسُ جسمٍ جديدٍ بإرادةٍ إلهيَّةٍ، كما يَستبدِلُ الإنسانُ ثيابَهُ الباليةَ بثيابٍ جديدةٍ.

وينطلقُ التَّقَمُّصُ من فكرةِ أنَّ ما هو موجودٌ يَستحيلُ أن يَنقطِعَ عن الوجودِ، وما كانَ غيرَ مَوجودٍ لن يَبدأَ بالوجودِ، كما يقولُ الْمَبدأُ العلميُّ: (لا شيءَ يَضيعُ ولا شَيءَ يُخلَقُ، كلُّ شيءٍ يَتَحوَّلُ)، وهذا الْمَبدأُ حارَبَهُ الْمُتَأسْـلِمونَ على اعتبارِ أنَّهُ ينفي الإيجادَ من العَدَمِ، واتَّخذَهُ الْمُلحِدُونَ بالْمُقابلِ ذريعةً لِنَفي وجودِ إلهٍ للكونِ!!

ولكنَّ الطَّرفين الْمُتصارعَين لم يَنتَبِها إلى أنَّ هناكَ مرحلتانِ في الإيجادِ:

  • الْمَرحلةُ الأولى: هي مرحلةُ الإبداعِ، وهي مرحلةُ الإيجادِ من العَدَمِ بقولِهِ تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، فالْمُبْدِعُ تعالى يُوجدُ الشَّيءَ لا مِن شَيءٍ بدليلِ قولِ الإمامِ الباقرِ علينا سلامُهُ: (إنَّ اللهَ خَلَقَ الأشياءَ لا مِنْ شَيءٍ، فَمَن زَعَمَ أنَّ اللهَ خَلَقَ الأشياءَ مِن شَيءٍ فقد كَفَرَ).
  • الْمَرحلةُ الثَّانيةُ: هي مرحلةُ الخَلقِ، فالخالقُ يوجدُ الشَّيءَ من الشَّيءِ، وذلكَ قوله تعالى: (قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).

فالْمَبدأُ العِلميُّ الْمَذكورُ صَحيحٌ لا يَتَنَافَى مع القوانينِ الإلهيَّةِ كما ظَنَّ الْمُتأسلِمونَ، ولا يَنفي وجودَ الإلهِ كما ظَنَّ الْمُلحِدونَ، لأنَّه لا يَنطبقُ على الْمَرحلةِ الأولى، وهي الْمَرحلةُ السَّابقةُ لِوُجودِ الْمَادَّةِ، بل على الْمَرحلةِ الثَّانيةِ، أي في عَالمِ الْمَوَادِّ، فالْمَادَّةُ في العالمِ الْمَادِّيِّ لا تَضيعُ ولا تُبْدَعُ، بل تَتَحوَّلُ من هيئةٍ إلى أخرى، وفي ذلكَ جاءَ قوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، كدليلٍ على تبديلِ الأجسامِ الْمَعبَّرِ عنه بالأرضِ غيرَ الأرضِ؛ أي الجسمِ بعدَ الجسمِ في حالة التَّقمصِ، والسَّماواتُ التي لم يَذكرْ لها تَبديلاً كدليلٍ على وَحدةِ النَّفسِ الإنسانيَّةِ التي سَتَبرزُ للحسابِ أمامَ الواحدِ العَظيمِ.

وفي هذا يقول الفيلسوفُ العظيمُ فيثاغورث: (بما أنَّ النَّفسَ الإنسانيَّةَ لا تَموتُ، يجبُ أن يكونَ لها وجودٌ قبلَ الولادةِ، وأن يكونَ لها وجودٌ بعدَ مَوتِ الجسمِ)، فالنَّفسُ الإنسانيَّةُ لا تأتي من العدمِ عندَ الولادةِ، ولا تَغرقُ بعدَ الْمَوتِ في عَطالةِ الانتظارِ غَيرِ الْمُجْدِي إلى يومِ القيامةِ، بل تَنتقلُ من جسمٍ إلى جسمٍ آخرَ أثناءَ التَّقمُّصِ، وهكذا إلى أن يأتي يوم القيامةِ، فَتَبْرُزُ النَّفسُ الإنسانيَّةُ للحسابِ حَامِلةً معها كلَّ مَا جَنَتْهُ في تَقَمُّصَاتِها السَّابقةِ من حَسَناتٍ وسيِّئاتٍ لِتُوضَعَ في الْمِيزانِ.

 

والسُّؤالُ الذي يَطرحُ نَفْسَهُ: هل سَتَنْبَعِثُ العظامُ من القُبُورِ وهي رَمِيمٌ لِتُكَوِّنَ جِسْمًا قائمًا للإنسانِ كي يُحاسَبَ؟ وإن كانَ كذلكَ فأيُّ جسمٍ سَيَتمُّ اختيارُهُ للحسابِ؟ وكأنَّما السُّؤالُ: أيُّ أرضٍ سَتَبرزُ للحسابِ أمامَ الواحدِ العظيمِ إنْ كانتِ الأرضُ تَتبدَّلُ!!؟

يجبُ أن نتَّفِقَ على أنَّ هناكَ خَلقًا جَديدًا لقولهِ تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)، فقولُهُ: (كلَّ مُمَزَّقٍ) يَدُلُّ على تَعَدُّدِ عَمَليَّةِ التَّمزيقِ، أي تعدُّدِ الْمَوتِ، وبالتَّالي تَعَدُّدِ الولاداتِ، وبالتالي تَعَدُّدِ الأجسامِ، وهذا يُثبِتُ التَّقمُّصَ، فالنَّفسُ الإنسانيَّةُ بعدَ الْمَوتِ تَلِجُ مَكانًا أَلِفَتْهُ وهو الحياةُ الدُّنيا من جَديدٍ، وَتَلْزَمُ عَمَلاً عَرَفَتْهُ فَتُعَذَّبُ بِهِ لِشُؤمِهِ وتَنْعَمُ بهِ لِيُمْنِهِ.

أمَّا الخلقُ الجديدُ فهو يَدُلُّ على النَّفسِ الإنسانيَّةِ التي سَتَقِفُ أمامَ الواحدِ القهَّارِ، وقد أشارَ لذلكَ الفيلسوفُ العظيم سقراط بقوله: (إنَّ ثمَّةَ عالَمًا آخرَ تَقومُ فيه حقائقُ الأشياءِ التي لا تُدْرَكُ بحَواسِنا إلاَّ ظِلالُها في هذا العالمِ، وذلكَ العالَمُ هو عالَمُ الْمُثُلِ والحَقَائقِ والأفكارِ الـمُجَرَّدَةِ).

 

أمَّا بالنِّسبةِ للغايةِ من التَّقمُّصِ فنقولُ: إنَّ خَلْقَ الإنسانِ في كلِّ تَقَمُّصٍ يعني أنَّ النَّفسَ الإنسـانيَّةَ تَـتَّخِذُ الجسمَ قميصـًا جديدًا لها للاختبارِ والتَّجربةِ والعملِ، فالْمُـؤمنُ تَسـْمُو نَـفْسُـهُ وَتَرْقَى لِتَحقيقِ ذاتِها الكاملَةِ، وبُلُوغِ صَـفائِها واكتمالِها، أمَّا الكافرُ فَيَتَرَدَّى في مَهَاوي الرَّدَى، وهذا لا يَتَحَقَّقُ في قَميصٍ واحدٍ بل في قُمصَان عديدةٍ، لذلكَ قال الفيلسوفُ الأعظمُ أرسططاليس: (النَّفـسُ لا تَستغني عن الجسمِ).

فالأرضُ إذنْ دارُ امتحانٍ، وهي للمؤمنِ دارٌ للتَّمحيصِ والتَّكفيرِ عن الذُّنوبِ، وللعارفِ دارٌ للتَّرقِّي لِنَيلِ شرفِ الهدايةِ للصِّراطِ الْمُستقيمِ، وفي كِلَيهِما عذابُ الْمُكُوثِ في هذا الجسمِ على الأرضِ، بدليلِ قولِ سيِّدنا النَّبيِّ عيسى الْمَسيح (ع): (استعلاءُ الإنسانِ في نفسِهِ يَهبطُ به في وادي الدُّموعِ)، ووادي الدُّموعِ هو الحياةُ الدُّنيا لقوله (ع): (يَصْـدُقُ على هذا العالمِ ما قالَ أبونا داودُ مِن أنَّهُ وادي الدُّموعِ)، وهو ما يؤيِّدُهُ قولُ سيِّدنا رسولِ اللهِ (ص): (الدُّنيا سجنُ المؤمنِ وجنَّةُ الكافرِ)، وذلك بما فيها من العذابِ الأدنى للتَّخلُّصِ من الذُّنوبِ والآثامِ، والارتقاءِ إلى عالمِ الْمَلَكُوتِ لقوله تعالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). وفي هذا يَشْهَدُ الإنسانُ في كلِّ موتٍ وولادةٍ القيامةَ الصُّغرى.

أمَّا القيامةُ الكبرى فهي في قولِهِ تعالى: (قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ)، وفيها العذابُ الأكبرُ الذي أشارَ إليهِ اللهُ تعالى بقوله: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ، خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ، إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا، وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا، فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا، وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً، فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ، وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ).

وتَوقيتُ القيامةِ الكبرى لا يَعْلَمُهُ إلاَّ اللهُ عزَّ وجلَّ بدليلِ قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)، كما أشارَ إلى ذلكَ سيِّدنا الْمَسيح (ع) بقوله: (وَأَمَّا ذَلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ الاِبْنُ إلاَّ الآبُ).

وللمزيد حولَ مفهومِ التَّقمُّصِ يمكنُ العودةُ إلى كتابي: (نور الهداية لأهلِ الولاية) ففيهِ تفصيلٌ كاملٌ بالأدلَّةِ والشَّواهدِ.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> الإيمان بالتقمص ويوم القيامة

8 تعليقات
  1. جودي يقول

    بارك الله فيك ..
    سؤال …ما حال الذين يتذكرون جيلهم الماضي ؟

    1. admin يقول

      حالة التذكر لها سببان: الاول اثبات حجة احقية التقمص. والثاني أمر الهي يخص الشخص
      طبعا لا يعني انه مؤمن او كافر

  2. Same ali يقول

    عليك السلام ورحمة الله ادامك الله

    1. admin يقول

      عليك السلام والمحبة

  3. Fawaz Habib يقول

    تحية لك..
    التقمص..هو المرجع الذي يجد فيه الانسان جميع أجوبة الأسئلة التي تراوده خلال مسيرة حياته..ولا يجد لها جوابا منطقيا ومقنع عند الآخرين…
    وبالنسبة لي هو حقيقة ..لا بد أن تؤمن بها
    وإلا ستبقى حائرا وتائها..
    وبعد أذنك..أريد أن استوضح ما جاء في قولك …….وإن كان كذلك فأي جسم سيتم أختاره للحساب:وكأنما السؤال أي أرض ستبرز للواحد العظيم إن كانت الأرض تتبدل..
    السؤال هنا..الجسم يتبدل أكثر من مرة ومنطقي أن يقال باي جسم ستعذب النفس..ولكن الارض تتبدل مرة واحدة..يوم القيامة الأكبر…فهل المقارنة دقيقة هنا.؟
    إلا إذا كانت الأرض تتبدل أكثر من مرة..
    يرجى أن يتسع صدركم ..فأنا لا ابتغي إلا المعرفة..
    وشكرا…

    1. admin يقول

      هو فقط احتجاج على من يقول ان الحساب للجسم

  4. ابو هيثم يقول

    الحشوية اسم اخترعه اعداء الاسلام وإلا أسئلك سؤالا ايها العلوي هل تقول ان تناسخ الارواح بين الميت والمولوذ حديثا!! اذا عدد ما يموت في اليوم بالعالم 7 مليون وعدد الولادة بالعالم 18 مليون يوميا فكيف يتم تناسخ الارواح ل11 مليون

    1. admin يقول

      الحشوية اسم وضعه الائمة المعصومون لا اعداء الاسلام

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger