الإعجاز القرآني في الفلسفة العلوية

0 1٬154

الإعجاز القرآني في الفلسفة العلوية

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

المعجزةُ ضرورةٌ لازمةٌ للأنبياءِ والمرسَلين لإقامةِ الحجَّةِ على النَّاسِ من جهةٍ، ولإثباتِ دعواهُم بالبرهانِ القاطعِ من جهةٍ أخرى، فمعاجزُ الأنبياءِ والمرسَلين تجاوزتِ القوانينَ الطَّبيعيَّةَ كإحياءِ الموتى وإبراءِ الأكمَهِ والأبرصِ وتحوُّلِ العصا إلى حيَّةٍ و…. وهذا هو المقصودِ بخرقِ العادةِ، فالمعاجزُ دائمًا تتناسبُ مع أحوالِ ما هو شائعٌ ومعروفٌ في زمانِهم. ولكن مع وجودِ هذه المعجزاتِ كان يَنفَتِحُ بابُ التَّشكيكِ بها من قِبَلِ المُشَكِّكينَ بقولهم إنَّها آنيَّةٌ مؤقَّتةٌ، وبِعَدَمِ رؤيَتِها في الزمنِ اللاَّحقِ لها، ولذلكَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلَهُمْ بالزَّبَدِ الذي هو كلامُ المُحَرِّفينَ والمُبَدِّلينَ بقوله تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ).

وكانَت الكتبُ السَّماويَّةُ من أعظمِ معجزاتِ الأنبياءِ شأنًا وحجَّةً، لأنَّها باقيةٌ بجوهرِها إلى الأبدِ، فالكتبُ السَّماويةُ معجزةٌ إلهيَّةٌ خالدةٌ، إذ إنَّ من الحقائق التي لا يُشَكُّ فيها أنَّ الكتابَ العزيزَ هو المعجزةُ الخالدةُ والأثرُ الفردُ الباقي بعد النُّبوَّةِ، بدليلِ ما وردَ في الإنجيلِ حيثُ سألَ سيِّدنا يعقوبُ (ع) أحدُ تلامذةِ سيِّدنا النَّبيِّ المسيح (ع): كيف يعلِّمُنا الأنبياءُ وهم أمواتٌ، وكيفَ يَعلمُ مَن لا معرفةَ له بالأنبياءِ؟ فأجاب سيِّدنا يسوع (ع): (إنَّ تعليمَهم مُدَوَّنٌ فَتَجِبُ مُطالَعَتُهُ لأنَّ الكتابَ بمثابةِ نبيٍّ لكَ)، فقال مولانا الوصيُّ بطرس (م): يا معلِّـمُ هل ما تتكلَّمُ به مكتوبٌ في ذلكَ الكتابِ؟ فأجاب سيِّدنا يسوع (ع): (إنَّ كلَّ ما أقولُ لمعرفةِ اللهِ ولخدمةِ اللهِ ولمعرفةِ الإنسانِ ولخلاصِ الجنسِ البشريِّ إنَّما هو جميعُهُ صادرٌ من ذلكَ الكتابِ وهو إنجيلي).

 

والنُّبوَّةُ تحتاجُ في أصلِ ثبوتِها إلى الإعجازِ، وعندما تكونُ الرِّسالةُ خالدةً يجبُ أن تكونَ المعجزةُ التي تَشهدُ بِصِدْقِها خالدةً أيضًا، فَذَاتُ الرِّسالةِ حجَّتُها باقيةٌ إلى يومِ القيامة لذا كان إعجازُ القرآنِ من لوازمِ النُّبوَّةِ، إذ فيهِ موضوعُ التَّحدِّي والبلاغةِ والفصاحةِ، فالقرآنُ له الأثرُ في تحريرِ العقولِ والتأكيدِ على المدركاتِ العقليَّةِ عن طريقِ الأسلوبِ البرهانيِّ.

والقرآن الكريمُ هو التَّجلي الأعظمُ للنُّورِ الإلهيِّ، وهو متناسبٌ مع العقلِ والنُّضجِ الفكريِّ لقوله تعالى: ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)، وخاصِّيَّةُ القرآنِ الأساسيَّةُ أنَّهُ كتابٌ يمثِّلُ عمقَ الوجودِ، فالقرآنُ الكريمُ هو كلامُ اللهِ الـمُنزلُ على سيِّدنا رسول الله (ص)، الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديهِ ولا من خلفِهِ، وهو الكتابُ الإلهيُّ المقدَّسُ، ومظهرُ العزَّةِ الإلهيَّةِ والحكمةِ الرَّبانيَّةِ لقوله تعالى: (تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)، فالعزَّةُ هي بمثابةِ العينِ الباصرةِ، وهي أعلى وأرفعُ تجلِّياتِ القدرةِ، في حينِ أنَّ الحكمةَ تمثِّلُ أسمى مراحلِ العلمِ.

 

والقرآنُ رسالةٌ ودعوةٌ بالنسبةِ لنا، لأنَّنا نعتقدُ أنَّ القرآنَ هو الكتابُ الذي خطَّطَ للمجتمعِ الإنسانيِّ عن طريقِ الهدايةِ والتَّكاملِ، وتعهَّدَهُ بالصِّيانةِ والأمانةِ، كما شرَّعَ له كلَّ ما يتطلَّبُهُ من حاجاتٍ، فهو الذي يسمو بالإنسانيَّةِ إلى أرفعِ مدارجِ الكمالِ الإمكانيِّ، ويهديها إلى سواءِ السَّبيلِ، ويَنْشُدُ لها السَّعادةَ الأبديَّةَ التي تمنَحُها الرِّفعةَ لقوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)، وهو الذي يهدفُ إلى السُّموِّ بالقوى العقليَّةِ والمواهبِ الفطريةِ إلى أفقِ الإبداعِ والابتكارِ بما يهدمُ ما في نفسِ الإنسانِ من رواسبِ الخرافاتِ والعاداتِ السَّيئةِ، ويخوضُ حقائقَ كثيرةً استنادًا لقول رسول الله (ص): (القرآنُ هدى من الضلالةِ، وتبيانٌ من العمى، وإقالةٌ من العثراتِ).

ولكنَّ الخلافاتِ حصلَتْ في التَّأويلِ رغمَ أنَّ أهلَ الإيمانِ لا يختلفونَ في التَّأويلِ لأنَّهم التزموا بما جاءَ عن أهلِ العصمة (ع) حيث وصفَهم الإمامُ الصَّادقُ علينا سلامُهُ حين قال له رجلٌ: أنا من مُحبِّيكم في السِّرِّ والعلانيَّةِ، فقال علينا سلامُهُ: (إنَّ لِمُحبِّينا علاماتٍ يُعرَفون بها)، فقال: وما تلكَ العلاماتُ؟ فأجابَ علينا سلامُهُ: (إنَّهم عَرَفُوا التَّوحيدَ حقَّ معرفَتِهِ وأَحْكَمُوا علمَ التَّوحيدِ، وما هو حقُّهُ وما هي صِفَتُهُ، وَعَلِمُوا تأويلَ الكتابِ وحدودَ الإيمانِ وشروطَهُ وحقوقَهُ).

 

ورغمَ ما حصلَ سيبقى إعجازُ القرآنِ في وجوهِهِ المتعدِّدةِ من الإعجازِ الأدبيِّ إلى الإخبارِ بأحداثِ المستقبلِ إلى الإخبارِ بأسرارِ الكونِ… إلخ. فهو المعجزةُ الإلهيَّةُ الخالدةُ التي جاء بها خاتمُ الأنبياءِ، وهو بحرٌ لُجِّيٌّ بعيدُ القرارِ، مُتَنَائي السَّواحلِ، مليءٌ بالكنوزِ والذَّخائرِ والدُّرَرِ والجواهرِ، وكلُّ مَن يَغوصُ في أعماقِهِ ويبحثُ في دَقائقِ مَبانيهِ، لابدَّ أن يظفرَ ببعضِ ما يريدُ، ما دامَ الإخلاصُ رائدُهُ، والجهادُ في البحثِ قائدُهُ، والوصولُ إلى الحقِّ بُغْيَتُهُ وَمَطلبُهُ، إذ إنَّ النُّهوضَ بحقِّهِ هو من أعظمِ الحقوقِ وأخطرِها، وقد قال تعالى: (ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ).

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> الإعجاز القرآني في الفلسفة العلوية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger