شرح مقاصد سيدنا الخضر

0 691

شرح مقاصد سيدنا الخضر علينا سلامه

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

قد أجبتَ عن رحلةِ النَّبيِّ موسى (ع) مع سيِّدنا الخضر علينا سلامُهُ، لكنَّكَ لم تشرحْ مقاصدَ ما قامَ به سيِّدنا الخضرُ، فما هي الغايةُ من ذلكَ كلِّهِ؟

 

أولاً- خرقُ السَّفينة:

قال تعالى: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا) أي أنَّ سيِّدنا رسولَ الولايةِ الخضر علينا سلامُهُ كسرَ ناحيةً من السَّفينةِ كأنَّهُ يريدُ إغراقَها بمَن فيها، فقَالَ له سيِّدنا النَّبيُّ موسى (ع): (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا)، وكان سيِّدنا النَّبيُّ موسى (ع) هنا يَدُلُّ تَعليمًا للمؤمنِ على الإنسانِ الذي لا يَحتَمِلُ ما يَرَى أمامَهُ من ألمٍ وَوَجعٍ يَجري على المؤمنينَ فَيَتساءَلُ وَيَتذمَّرُ وَيَتَّهمُ اللهَ في عَدَالَتِهِ مُتَسَائلاً: (لماذا يفعلُ الرَّبُّ هذا بالنَّاسِ!؟)، إذْ لا يَتقبَّلُ فكرُهُ البشريُّ هذا القضاءَ الإلهيَّ فيُنكرُهُ على اللهِ كما أظهرَ سيِّدنا النَّبيُّ موسى (ع) أنَّهُ تَعَجَّبَ وسَلَّمَ لفِعلِ الخرقِ مِن قِبَلِ سيِّدنا رسولِ الولايةِ الخضر علينا سلامُهُ!!

هنا كانَ جوابُ سيِّدنا رسولِ الولايةِ الخضر علينا سلامُهُ: (أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)؛ يشيرُ إلى أنَّهُ يعلمُ من العلمِ ما لا يَعلمُهُ سيِّدنا النَّبيُّ موسى (ع)، وهنا نتذكَّرُ قولَه تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ).

وكان ردُّ سيِّدنا النَّبيِّ موسى (ع): (لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا) تواضُعًا لسيِّدنا رسولِ الولايةِ الخضر علينا سلامُهُ، وتَعليمًا لنا على احترامِ العالِمِ وحُسنِ التَّسليمِ والقَبولِ.

وكانَ تأويلُ ذلكَ في قوله تعالى: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا)؛ ومعناهُ أنَّ ملكًا غاصبًا كان يأخذُ السُّفنَ من البحرِ غصبًا فَخَرَقَ سيِّدنا رسولُ الولايةِ الخضر علينا سلامُهُ السَّفينةَ حفاظًا على أصحابِها المساكينِ مِن أن يُهلِكَهم الملكُ الغاصبُ فيَرَى السَّفينةَ مخروقةً فَيَترُكَها، وليس عند سيِّدنا النَّبيِّ موسى (ع) عِلمُ ذلكَ.

وفي هذا إشارةٌ إلى التَّقيَّةِ التي أظهرَها الأئمَّةُ علينا سلامُهُم تَسكِيتًا للجهلةِ وأهلِ العَمَى حينَ كانوا يَستنكرونَ اعتقادَ خاصَّةِ الخاصَّةِ، فَيَأتونَ للشَّكوى إلى الأئمَّةِ علينا سلامُهُم، فيُجيبُهم الأئمَّةُ بما يَتَحَمَّلونَهُ اقتداءً بقولِ سيِّدنا الرَّسولِ (ص): (إنَّا معاشرَ الأنبياءِ أُمِرْنا أن نُكَلِّمَ النَّاسَ بِقَدْرِ عُقُولِهم).

وهنا يَظهرُ للملكِ الغاصبِ عيبُ السَّفينةِ التي تَحملُ النَّاسَ المساكينَ الذين أنِسُوا بمعرفةِ اللهِ فَسَكَنُوا إلى رحمةِ اللهِ وَنَجَّاهُم من ظلمِ الملكِ الغاصبِ الذي أَوْصَلَهُ عَمَاهُ وطُغيانُهُ إلى مرحلةِ الشِّركِ الـمَوسومِ بالظُّلمِ في قوله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).

ولِتَتحقَّقَ هذه السَّكينةُ كانَ لابدَّ من التَّقيَّةِ بخرقِ السَّفينةِ فيَنظر إليها الملكُ الغاصبُ فَيَرى فيها عَيبًا فَيَتَجَنَّبها، كما تَتَجَنَّبُ النَّاصِبَةُ الإيمانَ بعلومِ الحقائقِ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ؛ وهي سفينةُ الولايةِ التي مَن رَكِبَ مَعرفَتَها نَجَا، ومَن تَخَلَّفَ عنها غَرِقَ وهلكَ وَهَوَى، لأنَّها بالنِّسبةِ إليهم مَخْرُوقَةٌ مُعَابَةٌ، كما كانوا يَرَونَ النَّقـصَ والعجزَ والخطأ والنِّسـيانَ لدى الأوصـياءِ والأئمَّةِ والأنبياءِ (ع) فيُثبتونَهُ عليهم حقيقةً، وما هو إلاَّ عِلَّةٌ في عُيونِهم ونَقصٌ وعَجزٌ ووَهنٌ في إدراكِهم، حتَّى وَصَلُوا بسببِ ضَلالِهم وكُفرِهم وَشَكِّهم إلى تَعظيمِ الفحشاءِ والمنكرِ وإشراكِهم بالذِّكرِ الحكيمِ في قوله تعالى: (ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ)، وتفضيلِهم عليهِ في قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).

وهذا الـملكُ الغاصبُ سَيَظُنُّ أنَّ أهلَ السَّــفينةِ غارقونَ لا مَحَالةَ بِسَــفِينَتِهم التي يَرَاها مَخروقةً فَيَتركها، كما يظنُّ النَّواصبُ أنَّ أهلَ الحقِّ هالِكونَ بعَقِيدَتِهم التي يظنُّونَ فيها غُلُوًّا فَيَتَجَنَّبونَها، والحقيقةُ أنَّ نجاةَ أهلِ الحقِّ بتَوحيدِنا الخالصِ كنجاةِ أهلِ السَّفينةِ، وليسَ في عقيدَتِنا شائبةٌ إلاَّ على سبيلِ الخَرقِ لحمايةِ المؤمنينَ وتَضليلِ الكافرينَ لقول تعالى: (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ).

 

 

ثانيًا- قتلُ الغلام:

أمَّا بالنِّسبةِ للغلامِ المقتولِ في قوله تعالى: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا)، فسيِّدُنا النَّبيُّ موسى (ع) جاءَ بشريعةٍ تُحَرِّمُ قتلَ النَّفسِ حينَ كان من وَصَاياهُ بالشَّريعةِ: (لا تَقْتُلْ)، كما قوله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسـًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا).

هنا قال له سيِّدنا رسولُ الولايةِ الخضر علينا سلامُهُ: (أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا)، فقال سيِّدنا النَّبيُّ موسى (ع) تَعليمًا للمؤمنينَ على الحياءِ من العالِمِ واعترافًا بمنزلَتِهِ: (إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا).

وكانَ تأويلُ ذلكَ في قوله تعالى: (وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا)، وقد يقولُ قائلٌ: إنَّ هذا الغلامُ لم يَقتُلْ فَقُتِلَ، وهذا مخالفٌ للقرآنِ الكريمِ، وهو قاصرٌ وهذا يَعني أنَّها جَريمةٌ يُحاسِبُ عليها القانون!!!

هنا نقول: إنَّ تحريمَ القتلِ كان تحريمًا لقتلِ المؤمنِ لا الكافرِ بدليلِ قوله تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا)، وقوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا)، ولكنَّ هذا الغلامَ كان مَطبوعًا بالكفرِ.

كما أنَّ فِعْلَ القتلِ هنا مَجازيٌّ مثلُ قولِهِ تعالى: (فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) فالقتلُ الجاري هنا تطهيرٌ للنَّفسِ.

من هذا المنطلقِ فإنَّ قتلَ الغُلامِ هو لَعنَتُهُ وإبعادُهُ من رحمةِ اللهِ التي هي معرفةُ الحقِّ، وذلكَ لأنَّهُ ليسَ من أهلِها منذُ البَدءِ، ومَن لم يكنُ من أهلِها لن يكونَ مهما مرَّتِ العصورُ، ولو أنَّه عرفَها بحقيقةِ المعرفةِ لَكَانَ سيَطغى ويَتَجبَّرُ ويسبِّبُ الأذى للمؤمنينَ الذينَ يعيشُ معهم، فهو كالْمُنْدَسِّـينَ والْمُنافقينَ الذينَ أرادَ اللهُ أن يَكونوا بيننا اليومَ، لكنَّهُ أظهرَ عليهم عَلاماتٍ ذَميمةً واضحةً شكلاً وخِلْقَةً تَكشفُ جواهرَهم الخبيثةَ لِنَحْذَرَ إدخالَهم إلى بيتِنا، ونُبعِدَهم عن العَبَثِ بمَعرفتنا وحُرُماتِنا.

وهكذا كانَ من حكمةِ سيِّدنا رسولِ الولايةِ الخضر علينا سلامُهُ أنْ أَبعدَهُ عن المعرفةِ لأنَّهُ ليسَ من أهلِها، كما حدثَ في قصَّةِ سيِّدنا رسولِ الولايةِ نوح علينا سلامُهُ في قوله تعالى: (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ)، ومثلُها اللَّعنةُ التي حصلَتْ على جعفر الكذَّابِ الذي لم يُقتَلْ جَسدًا، إنَّما قُتِلَ لعنةً تحذيرًا منه على لسانِ الأئمَّةِ علينا سلامُهُم كيلا يُصَدِّقَهُ النَّاسُ حين سَيدَّعي لنفسِهِ الإمامةَ فيَطغى على أهلِ الإيمانِ والولايةِ، فكانَ مقتولاً أي مقطوعَ السَّبيلِ إلى بلوغِ مآرِبِهِ.

ثالثًا- بناءُ الجدارِ:

أمَّا بالنِّسبةِ للجدارِ في قوله تعالى: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا)، فهذا في حقيقةِ الأمرِ لا يختلفُ عن دعوةِ مولانا أمير المؤمنينَ الإمامِ علي (م) للـمُسلِمينَ للقتالِ في قوله: (أَلا وإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لَيْلاً ونَهَارًا وسِرًّا وإِعْلانًا وقُلْتُ لَكُمُ اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ فَوَاللَّهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلا ذَلُّوا فَتَوَاكَلْتُمْ وتَخَاذَلْتُمْ)، وخذلانِ النَّاسِ للحقِّ، وتَوبيخِهِ للـمُقَصِّرَةِ بقوله: (فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَـرِّ والْقُـرِّ تَفِـرُّونَ فَأَنْـتُمْ واللَّهِ مِنَ السَّـــيْفِ أَفَرُّ. يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ ولا رِجَالَ!)، عِلمًا أنَّهُ ما كانَ بحاجَتِهم لأنَّهُ كانَ يقدرُ أن يقهرَ الباطلَ بضربةٍ واحدةٍ من ذو الفقارِ، وقد أشيرَ لهذا في أكثرِ من روايةٍ، ولكنْ تَعليمًا للمؤمنينَ على أصولِ الصِّراعِ في سبيلِ الحقِّ، والدَّليلُ ما وردَ عن سيِّدنا النَّبيِّ المسيحِ (ع): (جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي، عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي، كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي، عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي، مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي، مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ)، فهل هذا الجوعُ والعطشُ والعُرِي والمرضُ حادثٌ بسيِّدنا النَّبيِّ المسيح (ع)!! أم هو واقعٌ فيهم وَمَردودٌ إليهم!؟

ثمَّ قال تعالى: (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ)، وهنا ازدادَ يقينُ سيِّدِنا النَّبيِّ موسى (ع)، وقال سيِّدنا موسى (ع): (لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) مقابلَ إنكارِهم فقال سيِّدُنا رسولُ الولايةِ الخضر علينا سلامُهُ: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ).

وهناكَ الكثيرُ من الأقوالِ فيها تأديبٌ وتعليمٌ للمؤمنينَ أنْ يُسَلِّمُوا للعالِمِ في كلِّ ما يأتي به من العلومِ والأفعالِ والأحكامِ، إنْ وافقَ أفهامَ العامَّةِ الضَّعيفةَ أو لم يوافِقْها، إنَّما على سَبيلِ التَّعليمِ والتَّأديبِ للمؤمنينَ، لأنَّ ذلكَ في عامَّةِ الخَلقِ واقعٌ وإليهم راجعٌ.

وكان التَّأويلُ في قوله تعالى: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ)، فأهلُ القريةِ ظَالِمونَ، وهذا الغُلامان صَالحانِ من أهلِ المدينةِ، ولو أنَّ أهلَ القريةِ قد اكتَشَفُوا هذا الكنزَ لَسَرقوهُ وتَهَتَّكوا به وحَرَموا منهُ المؤمنينَ، ولَكانَ قد سادَ الظُّلمُ الدُّنيا وما فيها، لأنَّ هذا الكنزَ لم يكنُ كنزًا نقديًّا بل مَعرفيًّا بدليلِ ما وردَ عن الإمامِ الصَّادقِ علينا سلامُهُ عندما سئل عن هذا الكنزِ فقالَ: (أَمَا أنَّهُ ما كانَ ذهبًا ولا فضَّةً، وإنَّما كان أربعَ كلماتٍ: لا إلهَ إلاَّ أنا، مَن أيقَنَ بالموتِ لم يَضحَكْ سِنُّهُ، وَمَن أيقَنَ بالحسابِ لم يَفرَحْ قلبُهُ، وَمَن أيقَنَ بالقَدَرِ لم يَخْشَ إلاَّ اللهَ).

فكانَ الجدارُ الـمُقامُ بمثابةِ الحِصنِ الحَصينِ على الجوهرِ النَّفيسِ والكنزِ الثَّمينِ الـمُختَبِئِ تحتَهُ، والذي سيحصلُ عليهِ بَنوهُ من أهلِ المدينةِ حينَ يبلغونَ أشُدَّهم ويستحقُّونَ اقتناءَهُ.

ولابدَّ من إقامةِ الجدارِ ليقفَ عليهِ الأشرارُ، فَيَظنُّونَ أنَّ هذا الجدارَ هو الغايةُ التي أقامَها الوليُّ بصُحْبَةِ النَّبيِّ، فَيَتمسَّكونَ بهِ اعتقادًا على أنَّهُ الحقيقةُ العُظمى، كما نجدُ الـمُقَصِّـرَةَ يمارسونَ شعائرَ الحجِّ دونَ أن يَفقَهوا مَعَاني القِبلَةِ والقُبلةِ والتَّوجُّهِ، ويَتَعلَّقونَ بِقُبُورِ الأئمَّةِ علينا سلامُهُم دونَ تَنزيهِهم عن الحالاتِ البشريَّةِ التي لا تَلِيقُ بحضرَتِهم النُّورانيَّةِ.

ولابدَّ من التَّنويهِ على عدمِ الخلطِ بين القريةِ والـمدينةِ ها هنا، فأهلُ القريةِ ظالِمونَ، وكثيرًا ما وُصِفَتِ القريةُ بالظُّلمِ والكفرِ والعُتُوِّ، والغلامانِ الـمُؤمنانِ لم يَكونا منها بل من المدينةِ المحمودةِ، حتَّى أنَّه لا يُقالُ: (قريةٌ فاضلةٌ) بل (مدينةٌ فاضلةٌ) لذلك فإنَّه لا خلطَ ولا َمزجَ بينهما، كما أنَّ سيِّدنا الرَّسول (ص) أطلقَها على نفسِهِ بقوله: (أنا مَدينةُ العلمِ)، وقد كانَ اللهُ يرُسِلُ دائمًا أنبياءَهُ مِن الـمديـنةِ لإنـذارِ أهلِ القُـرَى كما في قوله تعالى في سـورة يس: (وَاضْـرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْـحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ)، ومَن جاءَ كان مِن المدينةِ في قوله في نفس السورة: (وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ).

أمَّا أهلُ الحقِّ العلويِّ فإنَّهم بالغونَ بمعرفتِهم أنَّ وراءَ هذه الجدرانِ التي نُصِبَتْ على أعينِ أهلِ القريةِ كنزًا ثمينًا من العلومِ والمعارفِ كما قالَ الإمام علي زين العابدين علينا سلامُهُ: (إنِّي لأكْتُمُ مِنَ عِلمي جَواهِرَهُ… كَي لا يَرَى العِلمَ ذُو جَهلٍ فَيفتَنِنَا). والوليُّ حينَ يقيمُ الجدارَ يُعَلِّمُنا أنَّ إقامةَ التَّقيَّةِ الدِّينيَّةِ واجبةٌ لقولِ الإمامِ الرِّضا علينا سلامُهُ: (التَّقيَّةُ في دارِ التَّقيَّةِ واجبَةٌ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> شرح مقاصد سيدنا الخضر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger