التفريق بين التقمص والتناسخ

0 3٬898

التفريق بين التقمص والتناسخ

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

يتَّهمنا أبناءُ الفِرَقِ الأخرى أنَّنا نقرُّ بالتَّناسخِ، بَينما نحنُ نقرُّ بالتَّقمُّصِ. فما هو الفرقُ بين التَّقمُّصِ والتَّناسُخِ؟

 

إنَّ الهجومَ الذي يَشُنَّهُ علينا كلٌّ مِن النَّاصبةِ والْمُقصِّرةِ حينما يَصفونَنا بأنَّنا من أهلِ التَّناسخِ يَدلُّ على مَدَى ضَحالةِ تَفكيرِهم وسَطحيَّتِهِ، خاصَّةً عندما يَقرأُ الْمَرءُ مواقِعَهُم الْمُخَصَّصَةَ لتشويهِ صورةِ نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ!!

بالإضافة إلى ما نَجِدُهُ من افتراءاتٍ مَسمومَةٍ لبعضِ الْمُتكلِّمينَ باسمِ الفرقةِ العلويَّةِ من الكُتَّابِ الْمُرتَدِّينَ الخونةِ عبرَ كُتُبِهم التي أصدَرُوها وطَبَعُوها في جبلِ عَامِل في لبنان بتَمويلٍ شيعيٍّ، أو في السُّعوديَّةِ بتمويلٍ وهَّابيٍّ.

وهذا للأسفِ أثـَّرَ على بعضِ الضُّعفاءِ عندنا لأنَّهم خَلَطُوا بينَ التَّناسخِ والتَّقمُّصِ، مع العلمِ أنَّنا كعلويِّينَ نُصيريِّينَ نَذُمُّ التَّناسخَ ولا نؤمنُ به، بل إيمانُنا بالتَّقمُّصِ الذي قمتُ بإيضاح معانيهِ في الوصيَّةِ الثَّالثةِ من كتابي الأول (نور الهداية لأهل الولاية)، وفي مقالاتٍ عدَّةٍ، ويمكنُ للْمُريدِ العودةُ إليهم للاطِّلاع على معاني التَّقمُّصِ.

أمَّا هذا الجوابُ فسوفَ أخصِّصُهُ لشرحِ معنى التَّناسخِ الْمَذمومِ الذي لا نؤمنُ به ولا نُقرُّ به إطلاقًا، وسنقتصرُ في شرحِهِ على ما وردَ عن سيِّدنا هشامِ بن الحَكَم (ع) من أنَّ زنديقًا سألَ الإمامَ الصَّادق علينا سلامُهُ فقال: أخبِرْني عمَّن قالَ بتناسُخِ الأرواحِ، مِن أيِّ شيءٍ قالوا ذلكَ؟ وبأيَّةِ حُجَّةٍ قاموا على مَذَاهِبِهم؟ فقال علينا سلامُهُ: (إنَّ أصحابَ التَّناسُخِ قد خَلَّفُوا وَرَاءَهُم مِنهاجَ الدِّينِ)؛ أي رَمَوهُ وراءَ ظهورِهم وأهمَلوهُ ولم يَعبَؤوا به، (وَزَيَّنُوا لأنفُسِهِمُ الضَّلالاتِ وأمْرَجُوا أنفُسَهُم في الشَّهوَاتِ)؛ بمعنى أنَّهم ما تَرَكوا رذيلةً إلاَّ وفَعَلوها، ولا ضلالةً إلاَّ واتَّبعوها، (وَزَعَمُوا أنَّ السَّماءَ خَاوِيَةٌ، ما فيها شَيءٌ ممَّا يُوصَفُ، وأنَّ مُدَبِّرَ هذا العالَمِ في صُورَةِ الْمَخلوقينَ)؛ وهذا إنكارٌ لوجودِ الباري عزَّ وجلَّ، فلا إلهَ في السَّماءُ ولا في الأرضِ يُعبَدُ من قِبَلِهم بل هم يَعبدونَ بشرًا مثلَهم، (بِحُجَّةِ مَن رَوَى: أنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدمَ على صُورَتِهِ)؛ وقد أتيتُ على شرحِ هذا الحديث في مقال مستقلٍّ، (وأنّه لا جَنَّةَ ولا نارَ، ولا بَعثَ ولا نُشورَ، والقيامةُ عندَهم خروجُ الرُّوحِ من قَالبِهِ وَوُلوجُهُ في قالَبٍ آخرَ)؛ وقد أوضَحتُ إيمانَنا بيومِ القيامةِ في مقالٍ مستقلِّ، (إنْ كانَ مُحسِنًا في القالبِ الأوَّلِ أُعِيدَ في قالبٍ أفضلَ منهُ حُسنًا في أعلى دَرَجَة الدُّنيا، وإنْ كانَ مُسِيئًا صَارَ في بعضِ الدَّوابِّ الْمُتعَبَةِ في الدُّنيا، أو هَوَامٍ مُشَوَّهَةِ الخِلقَةِ)؛ وهذا غيرُ صحيحٍ ولا يتوافقُ مع مبدأ التَّقمُّصِ بينَ المؤمنينَ، لأنَّ التَّقمُّصَ هو حالةُ ارتقاءٍ للمؤمنِ لا تَذَبْذُبٍ فوضويِّ بينَ الإنسانِ والدَّابَّةِ والهوامِ والذي هو معنى التَّناسخِ الْمَذمومِ، (وليسَ عليهم صَومٌ ولا صَلاةٌ ولا شَيءٌ من العِبَادَةِ أكثرَ من مَعرِفَةِ مَن تَجِبُ عَلَيهم مَعرِفَتُهُ)؛ ولا يوجدُ مؤمنٌ علويٌّ نُصيريٌّ يُبطِلُ إقامةَ فريضةٍ من الفرائضِ التي أوجَبَها اللهُ تعالى شكلاً بلا حشوٍ ومَضمونًا بلا إلحادٍ، فمعرفةُ الْمَضمونِ لا تُلغي إقامةَ الفريضةِ، ونهجُنا العلويَّ النُّصيريَّ الخصيبيَّ قائمٌ على استعمالِ الشَّرعِ واعتقادِ العبادَةِ الحقَّةِ، وهو ما تعرَّضْتُ إلى شَرحِهِ في كتابي (لقاءاتٌ وحواراتٌ مع الباحثِ الدِّينيِّ العلويِّ)، (وكلُّ شَيءٍ من شَهَواتِ الدُّنيا مُبَاحٌ لهم مِن فُرُوجِ النِّساءِ وغيرِ ذلكَ من نِكَاحِ الأخَوَاتِ والبَنَاتِ والخَالاتِ وذَوَاتِ البُعُولَةِ، وكذلكَ الْميتَةُ والخمرُ والدَّمُ فاستَقْبَحَ مَقَالَتَهُم كلُّ الفِرَقِ، ولَعَنَتْهُم كلُّ الأمَمِ)؛ ومَن يقرأُ هذا الكلامَ سَيَجِدُ كَمَّ الحقدِ الذي يحملُهُ لنا مَن يَصِفُنا بهذهِ الصِّفاتِ التي لا تليقُ بمسلمٍ علويٍّ نُصيريٍّ على الإطلاقِ عندما يَحرُفُ مُرادَ الإمامِ الصَّادقِ علينا سلامُهُ، فالإمامُ لم يقصدْ خاصَّتَهُ من العلويِّينَ، ولكنَّ النَّاصبةَ والْمُقصِّرةَ ظَنُّوا أنَّ العلويَّ النُّصيريَّ هو الْمَقصودُ عندما قَرَؤوا افتراءَ الْمَجلسـيِّ في كتابِهِ (بحارُ الأنوار) حيث كَذَبَ فقال: (فالشِّرْذِمَةُ النُّصيريَّةُ هم قومٌ إباحيَّةٌ تَرَكوا العباداتِ والشَّرعيَّاتِ، واستحلُّوا الْمَنْهِيَّاتِ والْمُحَرَّماتِ)!!

وإذا أرَدْنا أن نعرفَ إشارةَ الإمامِ الصَّادقِ علينا سلامُهُ نقول: لْيَبحَثْ النَّاصبةُ والْمُقصِّرَةُ عمَّن تنطبقُ عليهم هذهِ الصِّفاتُ في مُجتَمعاتِهم، فقد أورَدْتُ سابقًا بعضَ الأحاديثِ الشَّهوانيَّةِ الْمَنشـورةِ في كتبِ الحديثِ عندَ السُّـنَّةِ والشِّـيعةِ على السَّـواءِ، كما أنَّ فضـائحَ نكاحِ الْمَحارِمِ تنكشفُ كلَّ حينٍ من خلالِ فتاوى الأزهرِ والحرمِ الْمَكِّيِّ، وكيفَ حَلَّلَتْ مناهجُ الْمَدارسِ والكلِّيَّاتِ الشَّرعيَّةِ السُّنِّيَّةِ كافَّةً قتلَ العلويِّ وهرقَ دَمِهِ وذبحَهُ وشَويَهُ وأكلَهُ مَيِّتًا بحجَّةِ أنَّهُ كافرٌ، وفقَ أحاديثَ وفتاوٍ ما أنزلَ اللهُ بها من سلطانٍ!! وهو نفسُهُ ما دَعَتْ إليهِ الْمُقصِّرةُ حيث وردَ عن شيخِهم الْمُفيدِ أنَّهُ وَصَفَ العلويَّةَ النُّصيريَّةَ بأنَّهم ضُلاَّلٌ كفَّارٌ!! وزعمَ أنَّ أميرَ المؤمنينَ (م) حَكَمَ فيهم بالقَتلِ والتَّحريقِ بالنَّارِ!! وزعمَ أنَّ الأئمَّةَ علينا سلامُهُم قَضَوا عليهم بالكفرِ والخروجِ عن الإسلامِ!! أي أنَّ العلويَّةَ النُّصيريَّةَ مَعدودونَ في زمرةِ الكفَّارِ، وإنْ أظهَرُوا الإسلامَ وَبَالغوا في مَدحِ أهلِ البيتِ!!

 

يتابعُ الإمامُ الصَّادقُ علينا سلامُهُ فيقولُ: (فَلَمَّا سُئِلُوا الحُجَّةَ زَاغُوا وَحَادُوا، فَكَذَّبَ مَقَالَتَهُم التَّورَاةُ، ولَعَنَهُم الفُرقانُ، وَزَعَمُوا مع ذلكَ أنَّ إلَهَهُم يَنتَقِلُ مِن قَالبٍ إلى قالبٍ)؛ فانتقالُ الإلهِ يعني إحلالَهُ في جسدٍ، والعلويُّونَ النُّصيريُّونَ براءٌ من هذا الحلولِ، وقد دَحَضْنا شُبهَةَ التَّجسيدِ في عشراتِ الْمَقالاتِ السَّابقةِ، (وأنَّ الأرواحَ الأزليَّةَ هي التي كانَتْ في آدمَ، ثمَّ هَلُمَّ جَرَّا تَجرِي إلى يومِنا هذا في واحدٍ بعدَ آخرَ)؛ ولا يوجدُ علويٌّ نصيريٌّ على الإطلاقَ قد حَلَّ الأرواحَ في سيِّدِنا النَّبيِّ آدمَ (ع)، فإذا كان المقصودُ قولَهُ تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) فقد وردَ شرحُ ذلكَ في مقالاتٍ خاصَّة.

(فإذا كانَ الخالقُ في صورةِ الْمَخلُوقِ فَبِمَا يُستَدَلُّ على أنَّ أحَدَهُما خَالِقُ صَاحِبِهِ؟)؛ وهذا هو مبدأُ أهلِ الحلولِ الذينَ يَزعمونَ أنَّ الباري قد حلَّ في أجسادِ البشرِ، فلا تستطيعُ أن تفرِّقَ عندَها بينَ الرَّبِّ والْمَربوبِ، وهناكَ أقوامٌ تدَّعي الحلولَ في كلِّ الْمَذاهبِ والطَّوائفِ، وقد قمتُ بالرَّدِّ على اتِّهامنا بالحلولِ في مقال خاصٍّ.

(وَقَالوا: إنَّ الملائكةَ مِن وِلْدِ آدمَ كلُّ مَن صَارَ في أعلى دَرَجَةٍ مِن دِينهم خرجَ مِن مَنزِلَةِ الامتحانِ والتَّصفِيَةِ فَهُو مَلَكٌ، فَطَورًا تَخَالُهم نَصَارَى في أشياءٍ، وَطَورًا دهريَّةٌ يقولونَ إنَّ الأشياءَ على غيرِ الحقيقةِ)؛ فإذا كنَّا وحدَنا كعلويِّينَ نصيريِّينَ نتحدَّثُ عن عصمةِ النَّبيِّ آدمَ (ع) وكافَّةِ الأنبياءِ (ع) فكيفَ نَنسبُ له أنَّ الْمَلائكةَ من وِلْدِهِ!!؟

(فقد كانَ يَجِبُ عليهم أن لا يَأكُلوا شَيئًا من اللَّحمَانِ لأنَّ الدَّوَابَّ عندَهم كُلُّها من وِلْدِ آدمَ حُوِّلُوا في صُوَرِهم فلا يَجوزُ أكلُ لُحُومِ القُربَاتِ)؛ فمَن من العلويِّين النُّصيريِّينَ يَدَّعي أنَّ هذهِ الحيواناتِ هي من قَرَابَتِهِ!؟ والقرابةُ متعلِّقَةٌ بالنَّسلِ والجنسِ.

بعدَ هذا الشَّرحِ المختصَرِ لقولِ الإمامِ الصَّادقِ علينا سلامُهُ، يجبُ أن يفهمَ الجميعُ أنَّ الإشارةَ في هذا القولِ ليسَتْ للعلويِّينَ النُّصيريِّينَ، وقد كان السَّائلُ من أهلِ الزَّندقةِ، وكانَ الجوابُ للسَّائلِ مُوَجَّهًا لقومٍ من أهلِ الزَّندقةِ الذينَ يُقرُّونَ بالتَّناسخِ ولا يَعبدونَ اللهَ، وهم أقوامٌ منتشرةٌ في بلادِ فارسَ والهندِ وصولاً للصِّينِ، فلا يَخلطَنَّ أحدٌ منكم الأمور كما خلطَها أهلُ الحقدِ ليُوَجِّهوا بوصلةَ التَّكفيرِ إلى العلويِّينَ النُّصيريِّينَ وحدَهم دونَ غيرهم.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> التفريق بين التقمص والتناسخ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger