صفات مجالس العلم

2 1٬079

صفات مجالس العلم

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

يُقَالُ: نرى كثيرًا من المجالسِ الدِّينيَّةِ التي تُعقَدُ، ولكنْ ما هي صفاتُ مجالسِ العلمِ الحقيقيَّةِ؟

 

مِن صفاتِ مجالسِ العلمِ الحقيقيَّةِ ما ذكرهُ رسولُ اللهِ (ص) بقولِهِ: (لِطَالِبِ العلمِ خمسةُ حدودٍ لا يُؤخَذُ العلمُ إلاَّ بها: فأوَّلُ ذلكَ الصَّمتُ ثم حُسْنُ الاستماعِ، ثم جُودَةُ الحفظِ، ثم العملُ بهِ، ثم نَشرُهُ في أهلِهِ).

انظروا إلى هذا التَّرتيبِ الرَّاقي لأخْذِ علمِ الحقائقِ (الصَّمتُ، الاستماع، الحفظ، العملُ، نشرُهُ)، فعلمُ الحقائقِ هو دليلُ الشُّهودِ، ونحنُ لا نَشهَدُ إلاَّ بمَا نَعلمُ لقوله تعالى: (وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا)، واللهُ تعالى أَعْلَمَنا وُجُودَهُ فأَشْهَدَنا الآيةَ الكُبرى إثباتًا لقوله تعالى: (فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى)، والإعلامُ يكونُ بإثباتِ هذهِ السِّماتِ الخمسةِ التي أشارَ إليها تعالى بقوله: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا)، فالصَّمتُ أوَّلُ درجاتِ علمِ الحقائقِ، وهو مرتبطٌ بالسُّكونِ الأحَدِيِّ قبلَ حركةِ الإيجادِ الوَاحديَّةِ، لتبدأَ حركةُ الإيجادِ الواحديَّةُ بالاستماعِ الْمُرتبطِ بالفطرةِ الواحدِيَّةِ التي قالَ تعالى فيها: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)، وهو الدِّينُ التَّامُّ الْمَحفوظُ من زيادةِ الإشراكِ ونقصانِ الإنكارِ في قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، وقوله سبحانَهُ: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ)، فالذِّكرُ إشارةٌ إلى عُلُوِّ ورفعَةِ الْمُتَجَلِّي في الْمَظاهَرِ إثباتًا لقوله تعالى: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)، ومَقامُ الذِّكرِ عندَ إفرادِ ذاتِ الْمُتَجَلِّي يعودُ إلى القرآنِ في قولهِ سبحانه: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ)، فهو كمقامِ الصَّلاةِ الوسطى في قوله عزَّ وَجَلَّ: (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ)، أمَّا اللَّوحُ فالإشارةُ فيهِ إلى الاستواءِ في قوله جلَّ جلالُهُ: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا)، وهذا الغَشَيَانُ والطَّلبُ الحثيثُ مَمثولٌ بالعملِ والقوَّةِ في الحقيقةِ والجوهَرِ حتَّى لو كانَ الْمَظهَرُ وَهْنـًا، إذْ لا حقيقةَ للمظاهرِ إلاَّ من حيثُ العِيانُ لقوله تعالى: (أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ)، لذلكَ كانَ العملُ واجبًا على الْمُتَعَلِّمِ لقولِ الإمامِ الصَّادقِ علينا سلامُه: (العلمُ مَقرونٌ إلى العملِ، فَمَن عَلِمَ عَمِلَ، وَمَن عَمِلَ عَلِمَ، والعلمُ يَهتفُ بالعملِ، فإنْ أجابَهُ وإلاَّ ارتَحَلَ عن صاحبِهِ)، وإنْ تحقَّقَ العملُ بعلمِ الحقائقِ كانَ لِزامًا نشرُهُ في أهلِهِ حيثُ ورد عن الإمامِ الصَّادقِ علينا سلامُه أنَّهُ قالَ: (قرأتُ في كتابِ عليٍّ أنَّ اللهَ لم يَأخُذْ على الجُهَّالِ عَهدًا بطَلَبِ العلمِ حتَّى أخذَ على العلماءِ عَهدًا ببَذْلِ العلمِ للجُهَّالِ، لأنَّ العلمَ كانَ قبلَ الجهلِ)، ولكنَّ هذا لا يجوزُ إلاَّ للْمُستَحقِّينَ بدليلِ ما وردَ عن سيِّدنا النَّبيِّ عيسى الْمَسيحِ (ع) أنَّهُ قالَ: (لا تُحَدِّثُوا الجُهَّالَ بالحكمَةِ فَتَظلِمُوهَا، ولا تَمْنَعُوها أهلَها فَتَظْلِمُوهُم).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> صفات مجالس العلم

2 تعليقات
  1. فراس سليمان يقول

    على ذاتك السلام يا سيدي المجاهد

    1. admin يقول

      عليك السلام والمحبة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger