معاني الصيام والصوم

8 2٬284

معاني الصيام والصوم

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

ما هو الفرقُ بين الصِّيَام والصَّومِ؟

 

يساوي كلٌّ من الحشويَّةِ والْمُقصِّرَةِ بين مصطلحي الصَّومِ والصِّيامِ ويجعلون لهما نفسَ الْمَعنى، لكنَّ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ يدقِّقُ في إشاراتِ الكلامِ الإلهيِّ دونَ الوقوفِ فقط عندَ حدِّ اللفظِ لقولِ الإمام الصَّادقِ علينا سلامُهُ: (إنَّ كتابَ اللهِ على أربعةِ وجوهٍ: العبارةُ والإشارةُ واللَّطائفُ والحقائقُ: فالعبارةُ للعَوَامِّ والإشارةُ للخَوَاصِّ واللَّطائفُ للأولياءِ والحقائقُ للأنبياءِ).

فإذا دقَّقنا في إشاراتِ كتابِ اللهِ وجدنا كلمةَ (صيام) قد تكرَّرت في سبع آياتٍ، وارتبطَ الصِّيامُ في الآياتِ السَّبعةِ بالشُّهورِ كما في قوله تعالى: (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ) لأنَّ من صامَ شهرًا دونَ شهرِ فكأنَّما لم يَصُم شيئًا، كما ارتبطَ الصِّيامُ بالأيَّامِ كقوله تعالى: (فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) لأنَّ صيامَ الْمُؤمنِ واجبٌ للأيامِ الثَّلاثةِ التي يَنويها لِيُكمِلَ تبيانَ آياتِ اللهِ، وهذا التِّبيانُ مرتبطٌ بصِيَامِ النَّهارِ لقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ) لأنَّ النَّهارَ هو دليلُ الوجودِ والعِيَانِ لقوله تعالى: (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) وقوله: (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا) وقوله: (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا)، وهذا الدَّليلُ ثابتٌ في قانونِ الوجودِ لقوله عزَّ وجلَّ: (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)، وهذا الصِّيامُ الذي هو دليلُ إثباتِ الوجودِ الإلهيِّ في السَّماواتِ والأرضِ هو فرضٌ لا يَتحقَّقُ إيمانُ الْمُؤمنِ إلاَّ بإقامتهِ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فالخطابُ لم يكن للمُسلمينَ فحسب، بل للذينَ آمنوا وَهُمُ الذينَ أقرُّوا واستقرُّوا على معرفةِ اللهِ لقولِ أمير المؤمنين الإمام علي (م): (أوَّل الدِّينِ معرفتُهُ).

ولكنْ لِيَتمَّ التَّوحيدُ لابدَّ من الإفرادِ بعد الإثباتِ، لذلكَ لم يجعلِ اللهُ الدَّهرَ نهارًا متحرِّكًا بالْمُطلقِ بل أتمَّهُ بليلٍ ساكنٍ لقوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ)، وهو الْمُعَبَّرُ عنه بكلمةِ الصَّومِ الواردةِ في آيةٍ واحدةٍ هي الآية (السَّادسةُ والعشرون) من سورة مريم: (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا)، فكانَ الصَّومُ صَمتًا لِيَكتَمِلَ الواجبُ الْمَطلوبُ من الْمُؤمنِ بالصِّيامِ تشريعًا وبالصَّومِ تحقيقًا لقول الإمام الصادق علينا سلامُهُ: (إنَّ الصِّيامَ ليسَ من الطَّعامِ ولا من الشَّرابِ وحدَهُ، إنَّ مريمَ عليها السلام قالت: “إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا” أي صَمتًا فاحفظوا ألْسِنتَكُم وغضُّوا أبصَارَكُم).

وهذا الصُّومُ عن الكلامِ له مَقامُ الإفرادِ بعدَ الإثباتِ، فيَكتمل التَّوحيدُ ويُصبح الصَّائمُ عابدًا للهِ، لأنَّ العبادةَ الحقيقيَّةَ لا تكونَ في الامتناعِ عن الطعامِ والشَّرابِ لقول سيِّدنا النَّبيِّ الْمَسيح (ع): (إنَّ الذينَ يَصُومونَ ويُصَلُّونَ مَلعونونَ لأنَّهم عَمِلُوا بصُورةِ الشَّرعِ ولم يَعرفوا مَعناهُ)، بل تكونُ في توحيدِ الباري لذلك قال رسولُ الله (ص): (الصَّائمُ في عبادةٍ وإن كان نائمًا على فراشِهِ ما لم يَغْتَبْ مُسلمًا)، وإذا بلغَ الْمُؤمنُ درجةَ التَّوحيدِ سُتِرَ من العذابِ وهذا ما عَناهُ رسولُ الله (ص) بقوله: (الصَّومُ جُنَّةٌ من النَّارِ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> معاني الصيام والصوم

8 تعليقات
  1. سامر علي يقول

    عليك السلام ورحمة الله سيدي🌹

    1. admin يقول

      عليكم السلام ورحمة الله

  2. يزن علي الريمة يقول

    حياك الله

    1. admin يقول

      بوركت

  3. ezzzn يقول

    حياك الله وبارك الله بجهودك للثبات ع طريق الحق

    1. admin يقول

      بوركت

  4. ميسم يقول

    حياك الله سيدي 🌷

    1. admin يقول

      حياك الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger