مكر العباسيين بالأئمة

0 970

مكر العباسيين بالأئمة

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

كيف مَكَرَ الْمَأمونُ محاولاً التَّقرُّبَ من الإمامِ الرِّضا (ع)؟

 

هذه القصَّةُ التي سأورِدُها فيها عِبرةٌ ومغزى، فهي تَتحدَّثُ عن مَكرِ بني العبَّاسِ الذين حَاولوا أن يَستقطِبوا النَّاسَ من خلالِ إغراءِ الأئمَّةِ علينا سلامُهُم بالْمَناصِبِ مقابلَ أن يَمدَحوهُم ويُزَكُّوا حُكمَهم أمامَ النَّاسِ، نظرًا لثقةِ النَّاسِ بأهلِ البيتِ (ع) ويَقينِهم. وهذا مُشَابهٌ في هذا الأيَّامِ لِمَن يحاولُ استِرضَاءنا وتَقريبَنا وإغراءَنا بالْمَناصِبِ حتَّى نَشهَدَ بهِ أمامَ النَّاسِ ونُحَسِّنَ صُورَتَهُ ونُعطيهِ مَوثوقيَّةً اجتماعيَّةً لارتباطِ اسمِهِ باسمِنا، لكنَّنا لا نُجبـِرُ أنفُسَنا على فِعلٍ لا نُريدُهُ، أو خيارٍ لا نَقتنعُ به.

هذا الفعلُ قامَ بهِ الْمُقَصِّرَةُ يومَ حاولوا التَّقرُّبَ من العلويِّينَ من خلالِ مُؤلِّفهم البَادياني النَّيسابوري، الذي أَغْرَى- بتَوجيهٍ من سادَتِهِ- بعضَ ضِعافِ النُّفوسِ الْمُرتدِّينَ للتَّوقيعِ على كتابِهِ مقابلَ مَبالغَ ماليَةٍ ومَناصِبَ قد وُعِدوا بها في الْمُجتمعِ العَلويِّ بعدَ احتِضَانِهِ من قِبَلِ الْمُقصِّرَةِ ضمنَ مشروعِ التَّشيُّعِ الذي كانَ مَرسومًا بدِقَّةٍ، فوَقَّعوا وسُطِرَتْ أسماؤهم على كتابهِ الْمَوسومِ (العلويون.. أتباع أهل البيت) كشَهادةٍ منهم على صِدقِ حَديثِهِ وأمانةِ نَقلِهِ، رغمَ كلِّ الدَّسَائسِ التي أَوْرَدَها في الكتابِ لِخَلْخَلَةِ الْمَعارفِ العلويَّةِ بينَ مَدْحٍ ودَسٍّ، ولو أنَّهم قَرَؤوا وانتَهَجُوا نهجَ الأئمَّةِ الْمَعصومينَ علينا سلامُهُم لَمَا باعُوا ذِمَمَهم للمُقَصِّرَةِ.

وهذه هي الرِّوايةُ التي تُعلِّمُنا كيفَ لا نَتَنازلُ عن مَبَادئِنا حتَّى لو أدَّى رَفَضُنا إلى إقصَائِنا، فالإقصاءُ خَيرٌ مِن السُّلطَةِ مع شَهَادةِ الزُّورِ.

وردَ عن ياسرِ الخادمِ والرَّيان بن الصلت أنَّهما قالا: لَمَّا انقَضَى أمرُ الأمينِ المخلوعِ واستَوَى الأمرُ للمأمونِ كَتَبَ إلى الإمامِ الرِّضا علينا سلامُهُ يَستَقْدِمُهُ إلى خراسان، فاعتَلَّ عليه الإمامُ بِعِلَلٍ (أي احْتَجَّ بالمرضِ)، فلم يَزَلِ المأمونُ يُكاتِبُهُ في ذلكَ حتَّى عَلِمَ الإمامُ أنَّه لن يَكُفَّ عنهُ، فَخَرَجَ علينا سلامُهُ إليهِ.

كتبَ إليهِ المأمونُ: لا تَأخُذْ طريقَ الجبلِ وقُمٍّ، وخُذْ طريقَ البَصرةِ والأهوازِ وفارسَ، حتَّى وَافَى مَرُو، فَعَرَضَ عليهِ المأمونُ أن يَتَقَلَّدَ الأمرَ والخلافةَ، فَأبَى الإمامُ الرِّضا علينا سلامُهُ.

توضيح: كان هذا مَكرًا من المأمونِ اللَّعينِ ظَنًّا منهُ أنَّهُ سَيُغريهِ بمَنصبِ الحُكْمِ، وهذا يَدُلُّ على نفوسِ بني العبَّاسِ الشَّيطانيَّةِ التي كانت تَأبَى الاعترافَ بِفَضلِ آلِ محمَّد (ص) وعِصمَتِهِم ورِفْعَتِهم.

قال المأمون: فولايةُ العَهْدِ؟

توضيح: كان يحاولُ أن يُفاوِضَهُ لأجلِ اجتِذَابِهِ.

فقال علينا سلامُهُ: على شروطٍ أَسْأَلُكَها.

توضيح: ما كانَ للإمامِ علينا سلامُهُ شروطٌ إنَّما هو مِن مبدأ التَّعجيزِ للمأمونِ اللَّعينِ لِيُؤكِّدَ له أنَّ الْمَناصِبَ الدُّنيويَّةَ لا تَعني لأئمَّةِ الحقِّ شيئـًا.

قال المأمونُ له: سَلْ ما شِئْتَ. فكتبَ الإمامُ الرِّضا علينا سلامُهُ: إنِّي داخلٌ في ولايةِ العَهْدِ على أن لا آمُرَ ولا أَنْهَى ولا أُفتِي ولا أَقْضِي ولا أُوَلِّي ولا أَعْزل ولا أغيِّرَ شيئـًا ممَّا هو قائمٌ. فأجابَهُ المأمونُ إلى ذلكَ كُلِّهِ.

توضيح: كانت شروطُ الإمامِ علينا سلامُهُ تَبدو في ظاهرِ الأمرِ على أنَّها تَنَصُّلٌ من الْمَهَامِ التي كانت على عاتقِ أهلِ البيتِ علينا سلامُهُ، ولكنَّهُ في الحقيقةِ لم يَكُنْ لِيَرضَى أن يكونَ مُفْتِيًا لِحُكْمِ بَني العبَّاس، ولا مُشَرِّعًا في دَولَتِهم، ولا قَاضيًا يَقضِي بالحقِّ في دولةِ الباطلِ، ولا مُتَدَخِّلاً في شؤونِ التَّولِيَةِ والعَزْلِ للوُلاةِ حتَّى لا يَتَوَهَّمَ النَّاسُ أنَّ كلَّ أمرٍ ظالمٍ مَصدَرُهُ الإمامُ الرِّضا علينا سلامُهُ، أو صَادرٌ عن الْمَأمونِ اللَّعينِ بتَزْكِيَةٍ منهُ. ولكنَّ الْمَأمونَ اللَّعينَ لم يَفهَمْ ما أرادَهُ الإمامُ علينا سلامُهُ، ولم يَنْفَعْهُ مَكرُهُ في مواجهةِ عَظمةِ ورِفعَةِ الإمامِ علينا سلامُهُ.

يتابعُ الرَّاوي: فلمَّا حَضَرَ العيدُ بَعَثَ المأمونُ إلى الإمامِ الرِّضا علينا سلامُهُ يَسألُهُ أن يَرْكَبَ ويَحضُرَ العيدَ ويُصَلِّي ويَخطبَ، فَبَعَثَ إليهِ الإمامُ: قد عَلِمْتَ ما كان بيني وبينكَ من الشُّروطِ في دخولِ هذا الأمرِ. فَبَعَثَ إليهِ المأمونُ: إنَّما أريدُ بذلكَ أن تَطمَئِنَّ قلوبُ النَّاسِ ويَعرِفُوا فَضْلَكَ.

توضيح: هنا تَتَّضِحُ غايةُ الْمَأمونِ اللَّعينِ من تَقريبِ الإمامِ الرِّضا علينا سلامُهُ، فهي ليسَتْ مَحبَّةً لَهُ، بل واجهةً لَهُ أمامَ النَّاسِ لِيَظهَرَ أنَّهُ مُحِبٌّ لأهلِ البيتِ علينا سلامُهُم ومُلتَزِمٌ بهَدْيهم.

فلم يَزَلْ علينا سلامُهُ يَرفُضُ والمأمونُ يُلِحُّ عليهِ، فقال علينا سلامُهُ: إنْ أَعْفَيتَنِي من الحُضُورِ فهو أحبُّ إليَّ، وإنْ لم تُعفِنِي خَرَجْتُ كما خَرَجَ رسولُ اللهِ (ص) وأميرُ المؤمنينَ (م).

توضيح: هنا يُعَلِّمُنَا الإمامُ الرِّضا علينا سلامُهُ عدمَ مُحَاباةِ أعداءِ الحقِّ، وإنَّهُ وإنْ أَصَرُّوا على استِرْضَائِنا لابدَّ أن نَتَمَسَّكَ بمَبَادِئِنا دونَ تَنَازُلاتٍ.

 

فقالَ المأمونُ: اخرُجْ كيفَ شِئتَ. وأَمَرَ المأمونُ القُوَّادَ والنَّاسَ أن يُبَكِّرُوا إلى بابِهِ.

فَقَعَدَ النَّاسُ للإمامِ الرِّضا علينا سلامُهُ في الطُّرقاتِ والسُّطوحِ، الرِّجالُ والنِّساءُ والصِّبيانُ، واجتمعَ القُوَّادُ والجُنْدُ على بابهِ علينا سلامُهُ فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمسُ تَعَمَّمَ بعَمَامَةٍ بيضاءَ من قُطنٍ، ألقَى طَرَفًا منها على صَدرِهِ وطَرَفًا بين كَتِفَيهِ وتَشَمَّرَ، ثم قالَ لجميعِ موَاليهِ: افعَلُوا مثلَ ما فَعَلْتُ. ثمَّ أَخَذَ بيَدِهِ عُكَّازًا ثمَّ خَرَجَ ونحنُ بين يديهِ وهو حافٍ قد شَمَّرَ سَرَاويلَهُ إلى نصفِ السَّاقِ وعليهِ ثيابٌ مُشَمَّرَةٌ، فلَمَّا مَشَى ومَشَينا بين يديهِ رَفَعَ رأسَهُ إلى السَّماءِ وكَبَّرَ أربعَ تكبيراتٍ، فَخُيِّلَ إلينا أنَّ السَّماءَ والحيطانَ تُجاوبُهُ، والقُوَّادُ والنَّاسُ على البابِ قد تَهَيَّؤوا ولَبِسُوا السِّلاحَ وتَزَيَّنوا بأحسَنِ الزِّينَةِ، فلمَّا طَلَعْنا عليهم بهذهِ الصُّورَةِ وطَلَعَ الرِّضا علينا سلامُهُ وَقَفَ على البابِ وقفةً، ثمَّ قالَ: (اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ على ما هَدَانا، اللهُ أكبرُ على ما رَزَقَنا من بَهيمَةِ الأنعَامِ، والحمدُ للهِ على ما أَبْلانا).

قال ياسر: فَتَزَعْزَعَتْ (مَرُو) بالبُكاءِ والضَّجيجِ والصِّياحِ لَمَّا نَظَرُوا إلى الإمامِ الرِّضا علينا سلامُهُ، وسَقَطَ القُوَّادُ عن دَوَابِّهم وَرَمَوا بخِفَافِهم لَمَّا رَأَوا الإمامَ علينا سلامُهُ حافيًا، وكان يَمشِي ويَقِفُ في كلِّ عَشرِ خطواتٍ ويُكَبِّرُ ثلاثَ مرَّاتٍ. فَخُيِّلَ إلينا أنَّ السَّماءَ والأرضَ والجبالَ تُجاوبُهُ، وصَارَتْ (مَرُو) ضَجَّةً واحدةً من البكاءِ. وبَلَغَ المأمونُ ذلكَ فقالَ لَهُ الفضلُ بن سَهل ذو الرِّيَاسَتَين: (إنْ بَلَغَ الرِّضَا الـمُصَلَّى على هذا السَّبيلِ افْتَتَنَ به النَّاسُ)، والرَّأيُ أن تَسأَلَهُ أن يَرجِعَ. فَبَعَثَ إليهِ المأمونُ فَسَألَهُ الرُّجوعَ فَدَعَا الإمامُ الرِّضَا علينا سلامُهُ بِخُفِّهِ فَلَبـِسَــهُ وَرَكِبَ وَرَجِعَ.

توضيح: هنا اكتشَفَ الْمَأمونُ اللَّعينُ أنَّ خَدِيعَتَهُ لم تَنْطَلِ على الإمامِ الرِّضا علينا سلامُهُ، وأنَّ كلَّ إغرَاءَاتِهِ لا تَنفَعُ، والإمامُ الرِّضا علينا سلامُهُ خَرَجَ بالنَّاسِ وقالَ كلمةَ الحقِّ كما يجبُ أن تُقالَ، ولم يكُنْ مُمَثـِّلاً للمأمونِ، بل كانَ مُمَثـِّلاً لِسُنَّةِ رسولِ اللهِ (ص) ونهجِ أميرِ المؤمنينَ الإمامِ علي (م)، فأخافَ هذا عَدُوَّ الحقِّ فَطَلَبَ منهُ الرُّجوعَ. وكان رجوعُ الإمامِ الرِّضا علينا سلامُهُ إشارةً للنَّاسِ على أنَّ المأمونَ اللَّعينَ قد أظهَرَ مَحَبَّتَهُ الزَّائفَةَ لأهلِ البيتِ، ولكنَّهُ في الحقيقةِ كان يُريدُ تَحقيقَ غاياتٍ شَخصيَّةٍ، إلاَّ أنَّ الإمامَ علينا سلامُهُ لا يَسمحُ له بتَحقيقِ غَايتِهِ، وهذا كَشَفَ عن زيفِ هذهِ المحبَّةِ، وأكَّدَ أنَّ العدوَّ لا يُغيِّرُ مِن عَدَاوَتِهِ حلاوةُ لِسَانِهِ ولا مَعسولُ كَلامِهِ، ومثالُ ذلكَ: هل غيَّرَتْ مُرَاسَلاتُ الشِّيعَةِ الْمَعسُولَةِ لِمَشَايخِ العلويِّينَ مِن مَوقِفِهم مِن سَيِّدنا أبي شُعَيب محمَّد بن نُصَير (ع)، أم ظَلُّوا يَعْتَبِرونَهُ خَارجًا عن الدِّينِ كَمَا أَوْعَزَ لهم أسيادُهُم الطُّوسي والقمِّي والحِلِّي والكِشِّي و….؟

وهكذا فإنَّ الْمُقَصِّرَةَ في هذهِ الأيَّامُ مَهما أَظْهَرُوا من المحبَّةِ الزَّائفَةِ لنا، فإنَّ الغايةَ ليسَتْ الاعترافَ بفَضْلِنا كَعَلويِّينَ نُصَيريِّينَ، لأنَّهم لن يَتَنازَلوا لنا عن اغتصابِ تَمثيلِ مَرجعيَّةِ أهلِ البيتِ علينا سلامُهُم كما لم يَتنازَلِ الْمَأمونُ اللَّعينُ عن السُّلطَةِ، ولكنَّهم يُريدونَ أن يَضَعُونا تحتَ جنَاحِهم كما أرادَ أن يَفعلَ الْمَأمونُ اللَّعينُ مع الإمامِ الرِّضا علينا سلامُهُ فَفَشِلَ وسَيَفْشَلُونَ.

وهذا ينطبقُ على محاولاتِ الطَّوائفِ الأخرى عمومًا والشِّيعةِ الْمُقَصِّرَةِ خصوصًا لِمَحوِنا نحنُ خاصَّةُ الإمامِ الرِّضا علينا سلامُهُ.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> مكر العباسيين بالأئمة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger