فلسفة التقدير والتدبير الإلهي

0 1٬052

فلسفة التقدير والتدبير الإلهي

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

قال تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا)، وقال الوحي: (كُلُّ مَا شَاءَ الرَّبُّ صَنَعَ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ، فِي الْبِحَارِ وَفِي كُلِّ اللُّجَجِ)، وقال أيضًا عنه: (الذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ).

بما أنَّ واجبَ الوجودِ هو الذي خلقَ العالم وبعثَ الحياةَ إليهِ، وبما أنَّهُ لا يمكنُ أن يكونَ قد قامَ بذلكَ مُرغَمًا، لأنَّه بوصفِهِ الأزلُ وحدَهُ ليسَ له شريكٌ، وليس هناكَ مَن يُرغِمُهُ على عملِ شيءٍ من الأشياءِ.

إذن لا شكَّ في أنَّه قامَ بذلكَ لأنَّهُ مُفيضُ الخيرِ لقولِ فيلسوفِنا العظيمِ العمادِ الغسَّاني (ق): (لأنَّهُ مُفيضُ الخيرِ والجمالِ، ويُنبوعُ كلِّ فَضيلةٍ وكمالٍ). ولذلكَ وصفَ تجلِّي واجبِ الوجودِ بالفاعلِ الْمريدِ، فهو لابدَّ أن يكونَ صاحبَ الْمشيئةِ، وصاحبَ الإرادةِ وصاحبَ العلْم والتَّقديرِ، لَهُ الأمرُ والتَّدبيرُ.

وبما أنَّ صانعَ الشَّيءِ يَعلم كلَّ شيءٍ عن صنعَتِهِ، وعمَّا يمكنُ أن يطرأ عليها، فواجبُ الوجودِ إذن على علْم وتدبيرٍ تامٍّ بجميعِ الأشياءِ التي في العالم. إذْ فَضلاً عن كونِهِ خالقُ العالَم، ويعرفُ كلَّ شيءٍ يمكنُ أن يطرأَ على صنعَتِهِ في كلِّ الأزمنَةِ تبعًا لذلك، فإنَّه لا يتأثَّرُ بالزَّمنِ على الإطلاقِ، لأنَّهُ أزليٌّ أبديٌّ.

والكتابُ الْمقدَّسُ يَنصُّ على علْم اللهِ بكلِّ الأشياءِ، فقد قالَ: (مَعْلُومَةٌ عِنْدَ الرَّبِّ مُنْذُ الأَزَلِ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ. ولذلكَ خاطبَهُ سيِّدنا داودُ علينا سلامُهُ بالوحي: (يَا رَبُّ، قَدِ اخْتَبَرْتَنِي وَعَرَفْتَنِي. أَنْتَ عَرَفْتَ جُلُوسِي وَقِيَامِي. فَهِمْتَ فِكْرِي مِنْ بَعِيدٍ. مَسْلَكِي وَمَرْبَضِي ذَرَّيْتَ، وَكُلَّ طُرُقِي عَرَفْتَ. لِأَنَّهُ لَيْسَ كَلْمةٌ فِي لِسَانِي إِلاَّ وَأَنْتَ يَا رَبُّ عَرَفْتَهَا كُلَّهَا).

وإنَّ علْم واجبِ الوجودِ بالعالَم لا يؤدِّيِ إلى أن يَطرأَ التَّغيُّرُ على ذاتِهِ الْمقدَّسةِ، لأنَّ ذاتَهُ الْمقدَّسةَ لا تتأثَّرُ بالزَّمنِ، ولا يَجري عليهِ ما أجرَاهُ على خلقِهِ، وإلاَّ لَتَفاوَتَتْ ذاتُهُ ولتَجَزَّأ كُنهُهُ، وهذا مُحالٌ.

بلِ التَّغييرُ واقعٌ على الشُّؤونِ الوجوديَّةِ التي يُبدِيها لُطفًا بعبادِهِ (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)، فصاحبُ العلْم بذاتِهِ لا يتغيَّرُ، وصاحبُ الإرادةِ بذاتِهِ لا يتبدَّلُ ولا يَطرأُ عليه تغييرٌ، فالتَّغييرُ والتَّبديلُ يكون بالسِّماتِ والحدودِ والشُّؤونِ التي أبدَاها وجوديًّا لتدبيرِ أمورِ الخلائقِ.

وإنَّ واجبَ الوجودِ لْما أوجَدَ الأشياءَ وأنشأها تجلَّى لها لِهدَايَتِها إلى معرفتِهِ، فاستَدَلَّتْ عليه بما تكرَّمَ عليها، فسُمِّيَ فاعلاً بعد إيجادِ الفعلِ، وعالِمًا بعدَ إيجادِ العلْمِ، لذلكَ وُصِفَ بصاحبِ العلْمِ وصاحبِ الإرادةِ، وكلُّ السِّماتِ والحدودِ والشُّؤونِ التي أبدَاها وجوديًّا كانت لِمماثَلَةِ خلقِهِ، وهو بذاتِهِ الْمقدَّسةِ أجلُّ وأعظمُ مِن أن يُحَدَّ أو يُحصَرَ بسمةٍ أو حدٍّ أو كيفيَّةٍ أو جنسٍ أو فصلٍ، لقولِ فيلسوفنا العظيمِ العماد الغساني (ق): (ليسَت هي بهيئَةٍ، ولا هي من قبيلِ الهَيئاتِ والأشكالِ، وليسَتْ بكيفيَّةٍ، ولا جنسٍ، ولا فصلٍ…. ولا حَدٍّ، وهي خارجةٌ عن هذهِ الحدودِ).

وإنَّ الذين زَعَمُوا أنَّ الفعلَ حقيقةٌ لجوهرِ الفاعلِ أشرَكوا لأنَّهم اعتَمَدُوا الْمساواةَ بينهُ وبينَ فعلِهِ، فمَن زعمَ أنَّ واجبَ الوجودِ لَم يَزَلْ فاعلاً بفعلِهِ فقد أشرَكَ حيث سئلُ الإمام الرِّضا علينا سلامُهُ: (إنَّ قومًا يقولون: إنَّهُ عزَّ وجلَّ لَم يَزَلْ عالِما بعلْمٍ وقادرًا بقدرةٍ وقديمًا بقدمٍ وسميعًا بسمعٍ وبصيرًا ببصرٍ) فكانَ جوابُهُ: (اتَّخَذوا معَ اللهِ إلهًا آخرَ، وليسَ هم من ولايتِنا على شيءٍ، تعالى اللهُ عمَّا يقولُ الْمشركونَ والْمشبِّهونَ علوًّا كبيرًا).

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> فلسفة التقدير والتدبير الإلهي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger