فلسفة النداء الإلهي

0 1٬189

فلسفة النداء الإلهي

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

قوله تعالى: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي).

 

لَقَد انْتَهَيْنَا فِيمَا سَلَفَ إلَى أَنْ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَهُ مَقَامُ الْمُعَايَنَةِ، وَأَنَّ مَقَامَ الْمُعَايَنَةِ الإِلَهِيَّ هو فِي عَالَمَي الْعَقْلِ وَالْحِسِّ، لَكِنَّ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ الْوُجُودِيَّةَ دارَ حَوْلَها الْكَثِيرُ مِنْ الْبَحْثِ لأَنَّ كُلَّ مَا لَهُ تَعَيَّنٌ فَإِنَّ وُجُودَهُ مُعَايَنٌ فِي مَكَانٍ مَا أَوْ جِهَةٍ مَا.

فَقَد تَعَدَّدَتِ الآرَاءُ وَالأَقْوَالُ فِي هَذَا الْبَحْثِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهُ فِي السَّمَاءِ فَقَط لأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهَا، وَإِنَّ مَقَرِّهُ فِيهَا وَحْدَهَا!! ثُمَّ تساءلوا: أَيْنَ كَانَ قَبْلَ خَلْقِه إيَّاهَا!؟ وَقَال فَرِيقٌ آخر: إنَّهُ فِي الأَرْضِ فَقَطْ، وَأَمَّا فِي السَّمَاءِ فَلا تَعْيُّنَ لَهُ!! وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لا في الأرضِ ولا في السَّماء، بل هو وُجُودٌ ذِهْنِيٌّ وَإِنَّ مَكَانَه الذِّهْنُ، لأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُمَا، وَإِنْ كَانَ مَقَرُّه فِيهِمَا فَقَط، فَأَيْن كَانَ قَبْلَ خَلْقِهِ لَهُمَا!؟

 

أَمَّا الفَلاسِفَةُ الْعَلَوِيُّون أَصْحَابُ الإِيمَانَِ فَقَدِ أَقَرُّوا بِوُجُودِ وَاجِبِ الْوُجُودِ فِي سَمَاوَاتِه وَأَرْضِهِ، وَعِنْدَمَا نَقُولُ: إنَّ وُجُودَهُ وتَجلِّيهِ فِي سَمَوَاتِهِ وَأَرْضِهِ فَنَحْنُ نَتَحَدَّثُ عَن الْمَكَانِيَّةِ الَّتِي أَبْدَى فِيهَا هَذَا الْوُجُود.

وَهُنَا يَتَسَاءلُ كَثِيرُون: هَل الْمَكَانُ يَحْوِيهِ؟ وَهَل التَّجَلِّي يُحَدَّدُ بِمَكَانٍ؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُحْصَرَ بِمَكَانٍ دُونَ آخَرَ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ فِي كُلِّ مَكَان؟

هَذِهِ الأَسْئِلَةُ تَحْتَاجُ إلَى دَقَّةٍ كَبِيرَةٍ جِدًّا عِنْدَ الإِجَابَةِ عَنْهَا. فَالأَمْرُ الْمُسَلَّمُ بِه بَدِيهِيًّا أَنَّ الذَّاتَ الْمُقَدَّسَةَ أَسْمَى مِنْ أَنَّ تُحَدَّ بِمَكَانٍ مِنْ الأَمْكِنَةِ، وَأَنَّهَا أَسْمَى مِنْ أَنَّ تَحدَّها الْفَوْقِيَّةُ أَوْ التَّحْتِيَّةُ، أَو اليمينيَّةُ أَو اليساريَّةُ، لِقَوْلِ سَيِّدِنَا أَرِسْطُو: (الذَّاتُ الإِلَهِيَّةُ لَيْسَتْ فِي مَكَانٍ مَا، لأَنَّهَا غَيْرُ جِسْمِي، وَلأَنَّهَا لَيْسَتْ بحَاجَةٍ إلَى مَكَانٍ).

وَإِذَا اسْتَحَالَ أَنْ تُعَرِّفَ نَفْسَكَ بِكَيْفِيَّةٍ أَو أينيَّةٍ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بعبوديَّتِكَ أَنْ تُدْرِكَ الأُلُوهِيَّةَ بأينيَّةٍ أَوْ كَيْفِيَّةٍ!! فَذَاتُ وَاجِبِ الْوُجُودِ الْمُقَدَّسَةُ فَوْقَ إدْرَاكِ الْعُقُولِ وَالْحَوَاسِّ، وَالْبَحْثُ عَنْ سِرِّ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ مَمْنُوعٌ، وَلا يَجُوزُ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقَعَ فِي هَكَذَا سَفْسَطَة.

وَإِنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ مِنْ لُطْفِهِ بِخَلْقِه تَجَلَّى لَهُمْ عَلَى قَدْرِهِم لِكَي يَعْرِفُوا سِمَاتِ وَأَفْعَالَ وَنُعُوتَ التَّجَلِّي. وَإِنَّ نِدَاءَ الْحَقِّ الْجَوْهَرِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إنَّنِي أَنَا اللهُ) يُعَبِّرُ بِشَكْلٍ مُحْكَمٍ عَن تَجَلِّي الْحَقِّ الْجَوْهَرِيِّ وَنِدَائِه بِفُرُوضِ الذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ، وَهَذَا النِّدَاءُ لا يكون إلَّا مِنْ تَجَلٍّ، وَلِهَذَا تَمَّ تَمْيِيزُهُ بِمَكَانٍ كَقَوْلِه: (إِنَّك بِالْوَادِي الْمُقْدَّسِ طُوًى) كَمَا تَمَّ تَمْيِيزُهُ بِجِهَةٍ كَقَوْلِه: (نُودِيَ مِنْ شَاطِئ الْوَادِي الأَيْمَن).

فالنِّداءُ يُحَدَّدُ بِجِهَةٍ لِيَكُون الْمُنَادِي مَشْهُودًا لا مَجْهُولاً، لأَنَّ الْمَجْهُولَ لا جِهَة لَهُ وَلا مَكَانَ لَهُ، وَإِنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ لَهُ الإِرَادَةُ التَّامَّةُ أَنْ يُبْدِيَ سِمَاتِه وَأَفْعَالَهُ حَيْثُ يَشَاءُ وَمَتَى يَشَاءُ فنِعمَتُهُ وَقُدْرَتُهُ شَامِلَةٌ، وَكُلُّ هَذِهِ السِّماتِ وَالْحُدُودِ والنُّعوتِ تُطْلَقُ عَلَى مَقَامِ الْمُعَايَنَةِ، وَبِهَذَا يَتَحَقَّقُ الذِّكْرُ للهِ وَالصَّلَاةُ، وَأَمَّا الْعِبَادَةُ فَتَتَحَقَّقُ بِإِفْرَادِ ذَاتِ وَاجِبِ الْوُجُودِ وَإِجْلالِهَا وَتَعْظِيمِهَا عَنْ كُلِّ سِمَةٍ وَحَدٍّ وَزَمَانٍ وَمَكَانٍ وَجِهَةٍ وَآلَةٍ وجسمٍ وَشَيْءٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (ليسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)، وقول سيِّدنا النَّبيِّ عيسى الْمسيح (ع): (أعترفُ بك إلهَنا الأحدَ الذي ليسَ لكَ من بدايةٍ ولا يكونُ لكَ من نهايةٍ، ولا شَبَهَ لكَ بين الخلق).

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> فلسفة النداء الإلهي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger