فلسفة المعاينة العلوية

0 844

فلسفة المعاينة العلوية

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

لقد شغلَ موضوعُ الْمُعاينةِ والشَّهادةِ للهِ عقولَ الباحثين زمنًا طويلاً، لذلك نرى الكثيرَ من هؤلاء الباحثين قد احتاطُوا لأنفسهم عند البحث في هذا الْموضوع، فمنهم مَن زعمَ أنَّ الله ليسَ له وجودٌ مُعاينٌ، لكنَّه حقيقةٌ نوعيَّةٌ بسيطةٌ، ولذلك لابدَّ له من تعيُّنٍ يميِّزُهُ… وقد يكون هذا التَّعيُّنُ عدميًّا!!

كما قال فريقٌ منهم: الْمُعايَنةُ غيرُ ممكنةٍ لأنها تستلزمُ التَّجسيمَ والتَّحديدَ والتَّقييدَ حتمًا، والتَّحديدُ حصرٌ، والحصرُ مُنافٍ للألوهيَّةِ اللانهائيَّةِ الْمُطلَقةِ!!

وقال فريقٌ ثانٍ: له تعيُّنٌ خاصٌّ مقيَّدٌ بلا إطلاقٍ، وهو ممكنُ الإدراكِ، لأن هذا ينسجمُ مع خصائصِ الألوهيَّةِ كلَّ الانسجامِ بالوجودِ الكاملِ!!

وقال فريقٌ ثالثٌ: اللامتناهي سلبيٌّ، والسَّلبيُّ لا معاينةَ له ولا وجودَ مُطلَقًا!!

 

أما الفلاسفةُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ فلا يأخذون بهذه الآراءِ لأنها خاطئةٌ لا ترتقي إلى مستوى فلسفَتِنا العلويَّةِ النَّيِّرَةِ. فأهلُ الحقِّ العلويِّ النُّصيريِّ استَنبطوا الحقائقَ الرَّبانيَّةَ والْمعارفَ الإلهيَّةَ النُّورانيَّةَ من فيلسوفِ الفلاسفةِ وأمير الْمؤمنين الإمام علي (م) الذي أرسى قواعدَ الإيمانِ والتَّوحيدِ، ووضعَ ميزانَ الفلسفةِ الذي كان وسيبقى ميزانَ الحقِّ العلويِّ الأبديِّ، ففي كفَّتيهِ ميزانُ العدلِ للْمعاينَةِ الإلهيَّةِ في عالَمَي العقلِ والحسِّ.

فنحن لا نستطيعُ القولَ: إنَّ اللهَ بذاتِهِ الْمقدَّسةِ محدودٌ حتَّى لا تقعَ ذاتُهُ الْمقدَّسةُ تحت الحصرِ والتَّقييدِ.

كما لا نستطيع القول: لا معاينةَ له إطلاقًا، لأنَّ الذين زعموا بأنَّ اللهَ لا يمكن أن يكون له معاينةٌ، أدخَلوا أنفسَهم في مشكلاتِ التًّعطيلِ العَويصةِ، لأنهم أنكروا مقامَ الْمعاينةِ، وقَطعوا الصِّلةَ بين الخالقِ وبين الْمخلوقاتِ.

ولذلك كان طريقُ الاستقامةِ العلويُّ النُّصيريُّ بالسَّيرِ الدَّقيقِ على الصِّراطِ الْمستقيمِ، فلا تعطيلَ ولا إنكار، ولا تشبيهَ ولا إشراك.

ولننطلقْ من قول مولانا أمير الْمؤمنين الإمام علي (م): (لا أعبدُ ربًّا لا أراهُ)، ففي هذا القولِ الْمُحكَمِ الحلُّ الأمثلُ لفلسفةِ الْمعايَنةِ الجامعةِ بين الشَّهادةِ إثباتًا والعبادةِ إفرادًا، وهي فلسفةُ الجمعِ بين التَّقييدِ والإطلاقِ، كما في قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ، وَمَا لا تُبْصِرُونَ)؛ فالتَّقييدُ في قوله: (بِمَا تُبْصِرُونَ) من سماتِ وحدودِ ونعوتِ وهيئاتِ مقامِ الْمعاينةِ يستلزمُ إقامةَ الشَّهادةِ حقَّا وبيانًا وعِيانًا، إثباتًا لوجودِ واجبِ الوجود. وأمَّا الإطلاقُ في قوله: (وَمَا لا تُبْصِرُونَ) من حقيقةِ مقامِ الْمعاينةِ، فذاتُ الحقٍّ الْمقدَّسةُ أجلُّ وأعظمُ من الحصرِ والتَّحديدِ، وهذا يُوصلُ لحقيقةِ العبادةِ إفرادًا وإطلاقًا.

فواجبُ الوجودِ الذي أبدَى وجودَهُ على قَدرِ مصـنوعاتِهِ أبدى لهم سـماتِ الأزليَّةِ والسَّـرمديَّةِ والأبديَّـةِ، لتكون حجَّتُهُ على خلقـهِ تامَّـةً وشـاملةً على مرِّ العصـورِ والدُّهـورِ، فهو في وجودِهِ الأزلِ لا ابتداءَ لجوهرِهِ، وفي وجودِهِ الأبدِ لا انتهاءَ لجوهرِهِ، وفي وجودِهِ السَّرمدِ لا تضادَّ لجوهرهِ ولا شبيهَ ولا مثيلَ.

فاللامتناهي ليس سلبيًّا عدميَّا، لأن العدمَ لا وجودَ له. لذلك نقول: إنَّ اللامتناهي ليس هو اللاموجود، لأنَّ اللاموجودَ هو اللامُتعيِّن وليس اللامتناهي، إذ إنَّ اللامتناهي هو الذي لا بدايةَ له ولا نهايةَ له. فاللاموجودُ أو اللامُتعيِّنُ هو العدمُ، أمَّا اللامتناهي فهو الأزليُّ السَّرمديُّ الأبديُّ الذي لا حصرَ له ولا حدَّ لقول فيلسوف الفلاسفة أمير الْمؤمنين الإمام علي (م): (هو الأوَّلُ لا أوَّلَ له، والآخِرُ لا آخرَ له)، وقول سيدنا النَّبيِّ الْمسيح (ع): (أعتَرِفُ بكَ إِلَهَنا الأحدَ الذي ليسَ لكَ من بدايةٍ ولا يكونُ لكَ من نهايةٍ، لأنَّكَ برحمَتِكَ أعطيتَ كلَّ الأشياءِ بِدَايَتَها وسَتُعطِي بِعَدلِكَ الكلَّ نهايةً).

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> فلسفة المعاينة العلوية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger