أنوار واجب الوجود

0 407

أنوار واجب الوجود

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

قوله تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ).

 

إنَّ الْوُجُودَ كَمَا يَقُولُ الْفَلَاسِفَةُ نَوْعَان: مُمْكِنُ الْوُجُودِ وَوَاجِبُ الْوُجُود.

فَمُمْـكِـنُ الْوُجُـودِ هُوَ الْحَـادِثُ الَّذِي لا يُوجَدُ إلاَّ بِسَـبَبٍ وَلا يَنْعَدِمُ إلاَّ بِسَـبَبٍ، وَلِذَلِك فَهُوَ لا يَتَقَدَّمُ عَلَى مُوجِدِهِ ولا يقومُ إلاَّ بِهِ.

أمَّا وَاجِبُ الْوُجُودِ فَهُوَ وَحْدَهُ الأحَدُ الفَرْدُ الصَّمَدُ الأَزَلُ السَّرْمَدُ الأَبَدُ، لأَنَّ وُجُودَهُ قَائِمٌ بِذَاتِهِ، وَلِذَلِكَ لا يَجُوزُ الْقَوْلُ: إنَّهُ مُحْتَاجٌ لِغَيْرِه، لأَنَّ قولاً مِثْل هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْغَيْرَ كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ، وَهَذَا مُحَالٌ وَلا يَجُوزُ مُطْلَقًا.

فَوَاجِبُ الْوُجُودِ بِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ لا يَزِيدُ وَلا يَنْقُصُ وَلا يَطْرَأُ عَلَيْهِ التَّغْيِيرُ وَالتَّحْوِيلُ أَبَدًا. وَلِذَلِك فالإلهُ الأَحَدُ دُونَ سِوَاهُ هُوَ وَاجِبُ الْوُجُودِ.

وَلَوْ فَرَضْنَا جدلاً أَنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ كَمَا يدَّعي بَعْض الْمُنْكِرِين، لَقَضَى عَلَيْنَا الْمَنْطِقُ بِالتَّسْلِيمِ بِوُجُودِهِ، لأَنَّه لاَبُدَّ أَنْ نَنْتَهِي فِي بَحْثِنَا عَنْ عَلَلِ الْأَشْيَاءِ إلَى مُعِلِّ الْعِلَلِ الَّذِي أَوْجَدَ الأَشْيَاءَ، وَهُوَ أَصْلُ وَمَصْدَرُ كُلِّ الأَشْيَاءِ، لأَنَّهُ لَوْ كَانَ الأَمْرُ غَيْرَ ذَلِكَ لاَنتهى بِنَا الْبَحْثُ إلَى التَّسَلْسُلِ فِي الأَزَلِيَّةِ إلَى مَا لا نِهَايَةَ لَهُ، وَهَذَا مَا لا يَتَّفِقُ مَعَ العَقْلِ إطلاقًا، لِذَلِكَ وَجَبَ التَّسْلِيمُ بِأَنَّهُ وَاجِبُ الْوُجُودِ.

وَلَوْ كَانَ اللهُ بِذَاتِهِ مُمْكِنَ الْوُجُودِ لَكَان مِثْلُهُ مِثْلُ الْعَالَمِ، وتبعًا لِذَلِكَ لَمَا كَانَ بإمْكَانِهِ أَنْ يوجِدَهُ، لأَنَّ الْعَالَمَ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يوجِدَ مِنْ تِلْقَاءِ ذَاتِهِ عالَمًا مِثْلَهُ، فَمِنَ الْبَدِيهِيِّ أَنْ يَكُونَ اللهُ بِذَاتِهِ وَاجِبَ الْوُجُودِ.

وَبِمَا أَنَّ اللهَ وَاجِبُ الْوُجُودِ، فَهُوَ إذَنْ فِي وُجُودِهِ أَزَلِيٌّ. وَبِمَا أَنَّهُ الأَزَلِيُّ فَهُو أَبَدِيٌّ كَذَلِك، لِأَنَّ مَا لا بِدَايَةَ لَهُ لا نِهَايَةَ لَهُ، وَبِمَا أَنَّهُ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ فَهُو سَرْمَدِيٌّ.

وَأَمَّا الَّذِينَ أَنْكَرُوا وُجُودَ وَاجِبِ الْوُجُودِ فَنَقُول لَهُم: مَنْ عَبَدَ مَعْدُومًا أُحيلَ عَلَى مَعْدُومٍ، وَمَنْ عَبَدَ مَا لا يعرفُهُ حَقِيقٌ عَلَيْهِ إذَا لَقِيَهُ أَنْ لا يَعْرِفُهُ، لأَنَّ مَنْ صِفَةِ الْحَكِيمِ أَنَّ لا يُعْبَدُ مَجْهُولاً، فالحكيمُ لا يَعبدُ إلاَّ إلَهًا مُتَجَلٍّ، لأَنَّ مَنْ غَابَ فَلا يُعَايَن يُوشِكُ أَلاَّ يَكُونَُ شَيْئًا.

وَالْحَقُّ الْجَوْهَرِيُّ لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ دَعَاهُمْ إلَى وَحْدَانِيِّتِه بتَجَلِّيهِ لَهُم، فَمَن عَرَفَهُ هُنَاك عَرَفَهُ هَاهُنَا، وَمَن أَنْكَرَهُ هُنَاك أَنْكَرَهُ هَاهُنَا، وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا.

وَمِمَّا يُؤَكِّدُ وُجُودَ وَاجِبِ الْوُجُودِ قَوْلُ سَيِّدِنَا النَّبيِّ الْمَسِيح (ع): (طُوبَى لأصفيَاء الْقَلْبِ لأَنَّهُم يُعَاينونَ اللهَ).

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> أنوار واجب الوجود

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger