الفلسفة العلوية الإلهية

2 1٬227

الفلسفة العلوية الإلهية

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

هل يُطلَق على الحقِّ تعالى اسمُ (الذَّات) و(الجوهر)؟

 

هناك بعضُ الفلاسفةِ يتحاشونَ إسنادَ الذَّاتيَّةِ إلى اللهِ، ويُعلِّلونَ ذلك بأنَّها إذا أُسنِدَتْ إليه، دلَّت على وجودِ تعيُّنٍ له، واللهُ ليسَ له تعيُّنٌ حسب اعتقادهم، لأنَّه يَسمو فوق العقلِ والإدراكِ، والتَّعيُّنُ هو الوجودُ الواقعيُّ، الذي يتميَّزُ بمميِّزاتٍ تدلُّ على أنَّ لهُ مِثلُ هذا الوجودِ!!!

أمَّا الفلاسفةُ العلويُّون أصحابُ الفلسفةِ الإلهيَّةِ النورانيَّةِ الْمرتكزةِ على القواعدِ الإيمانيَّةِ التي أَرْسَاها فيلسوفُ الفلاسفةِ وأميرُ المؤمنين الإمام علي (م)، فقد أطلقوا على الحقِّ تعالى أسماءَ وألفاظًا لتَدُلَّ على وجودِ واجبِ الوجودِ، وعلى سبيل المثالِ: قولُنا إنَّ اللهَ يُطلَقُ عليه لفظُ (الذَّاتِ) لا يعني أبدًا أنَّه شخصٌ كالأشخاصِ الْمَحدودةِ أو أنَّهُ ذو جوهرٍ مُماثلٍ للجواهرِ الْمَخلوقةِ، لأنَّنا نؤمنُ أنَّ الإلهَ بذاتِهِ الْمُقدَّسَةِ لا شبيهَ له ولا نظيرَ.

ولكنَّنا نقصدُ أنَّ له تَجَلٍّ في عالَمَي العقلِ والحسِّ، يستطيعُ التَّعبيرَ عن وجودِهِ بكلمةِ (أنا) كما في قوله تعالى: (إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).

والجوهرُ هو ما ليسَ بمَحدودٍ وليس بمُفتَقِرٍ لِغَيرهِ بل هو القائمُ بذاتِهِ، فلا خطأ في إطلاقِ كلمةِ (جوهر) على اللهِ. وقد شَهِدَ بهذه الحقيقةِ كثيرٌ من الفلاسفةِ، فقالَ ديكارت: (اللهُ هو الجوهرُ الحقيقيُّ)، وقال فيلسوفنا العظيم العماد الغساني (ق): (قد يُطلَقُ على الحقِّ تعالى اسم الجوهرِ والجسمِ والذَّاتِ والشَّيءِ، وكلُّ ذلكَ على سبيلِ الْمَجازِ والتَّقليد).

ويُطلَقُ الجوهرُ على اللامتناهي بمعنًى يختلفُ عن الذي يُطلَقُ به على الْمُتناهي. فجوهرُ الْمُتناهي مُفتَقِرٌ في كَشْفِهِ إلى أعراض، أمَّا جوهرُ اللامتناهي فمُسْتَغْنٍ في وجودِهِ لأنَّهُ قائمٌ بذاتِهِ، ومعنى ذلك أنَّهُ الْمَوجودُ الْمُعايَنُ أي الْمُتجلِّي، وهو بوجودِهِ ليس بداخلٍ في الأجناسِ، فكلُّ ما يُطلَقُ على اللهِ هو في إثباتِ وجودِهِ وتَجَلِّيهِ وليسَ على سبيلِ التَّجريدِ لقول فيلسوفِنا العماد الغساني (ق): (وكلُّ ذلكَ على سبيلِ الـمَجازِ والتَّقليدِ، وليس على سبيلِ التَّوحيدِ والتَّجريدِ).

ونحنُ وإنْ كنَّا نُقِرُّ أنَّ الإلهَ يَسمو فوقَ العقلِ والإدراكِ، إلاَّ أنَّنا لا نتَّفقُ أبدًا مع الذين قاموا بنفي التَّعيُّنِ عنه لهذا السَّببِ أو لغيرهِ من الأسبابِ، لأنَّ وجودَ اللهِ ليس وهميًّا كما يزعمونَ، بل هو واجبُ الوجودِ حقيقةً، وكلُّ مَن تحقَّقَ وجودُهُ له تَعيُّنٌ، ولذلكَ فمِنَ المؤكَّدِ أن يكونَ للهِ تَعيُّنٌ.

وليسَ هناك مجالٌ ﻹنكارِ التَّجلِّي الْمُعايَنِ، لأنَّ مجرَّدَ اعتقادِنا أنَّه واحدٌ، يُلزِمُنا بالتَّسليمِ بوجودِ تعيُّنٍ له، إذْ لا يكون واحدًا إلاَّ مَن كان مُنفصلاً ومُتميِّزًا عن غيرِهِ. ولا يكونُ منفصلاً ومتميِّزًا عن غيرِهِ إلاَّ مَن كان لَهُ تعيُّنٌ خاصٌّ به.

كما أنَّ اعـتقـادنـا أنَّهُ خالقُ العالَـمِ يُلـزِمُـنا أيضًا بالتَّسليمِ بوجودِ مثلِ هذا التَّعيُّنِ له، لأنَّهُ لا يمكنُ أن يكونَ قد خلقَهُ، إلاَّ إذا كان اللهُ قائمًا بذاتِهِ، والقائمُ بذاتِهِ له تَعيُّنٌ يُميِّزُهُ، لقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).

نعم إنَّنا نعجزُ كلَّ العجزِ عن إدراكِ الذَّاتِ الْمُقدَّسةِ، لقول أمير المؤمنين الإمام علي (م): (العجزُ عن دَركِ الدَّرَّاكِ إدراكُ، والبحثُ عن سرِّ ذاتِ اللهِ إشراكُ)، فليسَ في وِسعِنا أن نحصُرَها، أو نضعَ لها حدودًا، لكنْ بما أنَّ حقيقةَ وجودِ اللهِ وَوَحدَانيَّتَهُ وخلقَهُ للعالَمِ يدلُّ على وجوبِ وجودِ تعيُّنٍ له، فلا مناصَّ من الاعترافِ بوجودِ تعيُّنٍ للهِ، فليسَ كلُّ ما لا ندركُهُ لا وجودَ له، إذ هناكَ أمورٌ كثيرةٌ في الطَّبيعةِ لا نستطيعُ إدراكَها، ومع ذلكَ نقرُّ بوجودِها، والذين يقولونَ بعدمِ وجودِ تعيُّنٍ للهِ لا يُكرِمُونَهُ ولا ينزِّهونَهُ كما يظـنُّونَ، بل يَنفونَ وجودَهُ نفـيًا تامـًّا، لأنَّه لابدَّ من تَعـيُّنٍ خاصٍّ لكلِّ موجودٍ يَثبُتُ وجودُهُ، وإلاَّ خرجَ من دائرةِ الوجودِ إلى اللاوجودِ، لأنَّ اللامَوجودَ وحدَهُ هو الذي لا تَعيُّنَ له، ولذلكَ فمِن الْمُؤكَّدِ أن يكونَ للهِ تعيُّنٌ خاصٌّ به، وتعيُّنٌ مثلُ هذا يختلفُ كلَّ الاختلافِ عن اللاتَعَيُّنِ، لأنَّ اللاتَعَيُّنَ يُوصَفُ به غيرُ الْمَوجودِ، أما التَّعيُّنُ فيُوصَفُ به وجودُ واجبِ الوجودِ الذي يفوقُ العقلَ والإدراكَ.

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> الفلسفة العلوية الإلهية

2 تعليقات
  1. ميسم يقول

    مالفرق بين التعين و التجلي؟ هل هما نفس الشيء؟

    1. admin يقول

      نعم يأخذان نفس المعنى

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger