الطرائق والحقائق

2 826

الطرائق والحقائق

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

يقول الله تَعالى: (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ).

 

إنََّ عِرفَانَ الحَقائِقِ العَلويَّةِ النُّصيريَّةِ من المبادِئِ الإيمانيِّةِ التي أقرَّها المبدَأُ الإلهيُّ بالكتابِ السَّماويِّ، والفرائِضُ هي التعبُّدَاتُ الشَّرعيَّةُ الشَّكليَّةُ التي فرضَها اللهُ عزَّ وجلَّ على عبادهِ ليَتقرَّبوا وليَستَدِلُّوا على عِرفَانِ حقائقِ الشَّرائعِ، لأنَّ الشَّكلَ من هذه الشَّرائعِ كالأجسَامِ والمضمُونَ كالأرواحِ، فلا استقامةَ للأجسامِ بدونِ وجُودِ الأرواحِ، فالأرواحُ كالأصلِ والأجسادُ كالفرعِ، وكذلك هي القِشُورُ واللُّبَابُ، فإذا انتُزِعَ القِشرُ عنِ اللُّبِّ عاد القِشرُ إلى اليباسِ والعَدَمِ، وهذا القِشرُ هو الآصارُ والأغلالُ الذي ظنَّ أهلُ الاجتهادِ والقياسِ أنَّها الحقيقةَ.

فالحُدُودُ في الشَّرَائِعِ جُدرَانٌ مَرمُوزَةٌ عَلَى جَوَاهِرَ مَكنُوزَةِ، مَن أَتَاهَا شكلاً بِدُونِ اعتِبَارِ المَضمُونِ كَانَت عَلَيهِ آصَارًا وَأَغلالاً، كَونَهُ عِندَ إِيتَائِهَا لا يَفقَهُ مَا يَتَفَوَّهُ بِهِ لِسَانُهُ الَّذِي هُوَ ترجمانُ جَنَانِهِ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ كَالحَامِلِ حِملاً لا يَدرِي مَا هُوَ وَلا مَا وَرَاءَهُ.

فالحُدودُ لَها طَرائِقُ وَحَقائِقُ، والطَّرائِقُ دَليلٌ على الحَقائِقِ، ويَجِبُ على كُلِّ مُؤمِنٍ المُرور على الطَّرائِقِ لِيَستَدِلَّ بِها على الحَقائِقِ، وَلِيَجعَلَ الطَّرائِقَ سِترًا على الحَقائِقِ في الأماكِنِ المَطلوبَةِ لِقَولِهِ تَعالى: (إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ).

فنحنُ نلتِزمُ بالحقائِقِ وبإقامةِ الطَّرائقِ، لأنَّ الطَّرائِقَ من الأوامرِ التَّعبُّديَّةِ وهي حَدٌّ من حُدودِ اللهِ، واللهُ تعالى يقول: (وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ).

إنَّ الاعتِقادَ بِالطَّرائِقِ كَحَقائِقَ هُوَ إفراطٌ، لأِنَّ مَن أقامَ الطَّرائِقَ مُتَدَيِّنًا بِها فَقَد اتَّخَذَ مَعَ اللهِ إلهًا آخَرَ، فَالتَّدَيُّنُ بِها إذن هُوَ من أنواعِ الشِّركِ بِاللهِ، لأنَّ الطَّرائِقَ أمثِلَةٌ مَضروبَةٌ، فَهَل يَجوزُ أن نَجعَلَ المَثَلَ كَالمَمثولِ بِهِ أوِ العَكسُ؟

فمن عَرفَ الطَّرائِقَ وترَكَ الحقائِقَ فهو حشويٌّ، ومن عَرفَ الحَقائِقَ وترَك الطرائِقَ فهو مُلحِدٌ، ومن استعملَ الطَّرائِقَ وعَرفَ الحَقائِقَ فهو مُؤمنٌ حقًّا، لذا كانت الشَّرائعُ بحُدودِها المَفروضَةِ هي بمقَامِ الطَّرائِقِ، أمَّا رُوحُ الشَّريعةِ وحقيقتُها فهي بالولاءِ المُطلَقِ والولايةِ المُطلقَةِ التي هي كمالُ الإيمانِ، وهي ولايةُ أميرِ المُؤمنين الإمام علي (م) وهذا ما تجلَّى بأوضحِ صُورةٍ في بيعةِ الغديرِ.

سُئِل الإمام الصَّادق علينا سلامُهُ عن قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا)، فقال علينا سلامُهُ: (إنَّ اللهَ لا يَغفِرُ أن يُشرَكَ بولايةِ عليٍّ وطاعتهِ).

لقد استَدلَلنَا بهدايةِ العقلِ الذي هو أصلُ كُلِّ رحمةٍ إلى معرفةِ الأوصياءِ ومَا أظهرُوهُ من الأفعالِ والمُعجِزاتِ وأخبروا بعلمِ ما كان وما هو آتٍ، والذين دَلُّوا على معرفَتِهم هم الأنبياءُ، ومنهُم أُولوا العَزم الذين هُم: (نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومُحمَّد) عليهم السَّلام، وكانت إشارةُ النَّبيِّ الكريم إلى وصيِّهِ ظاهرةً مُعلنَةً يراهُ أهلُ الدَّعوة ويسمعونهُ كقوله (ص): (عليٌّ مني عالرَّأسِ من الجَسد)، وقوله (ص): (مَن أرادَ الحَقَّ فَليَنظُرْ إلى عَلِيٍّ، عَليٌّ مع الحَقِّ حَيثُ كانَ).

جَعلَنا اللهُ وإيَّاكُم مِمن يستعمِلُون الطَّرائقَ الإسلاميَّةَ ويُؤمنُونَ بالحَقائِقِ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ.

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> الطرائق والحقائق

2 تعليقات
  1. ميسم يقول

    عليك السلام ورحمة الله تعالى وبركاته السيد الفاضل هشام أحمد صقر على هذا المقال الرائع والمفيد جدا

    1. admin يقول

      بوركت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger