وجود الحي القيوم

0 1٬071

وجود الحي القيوم

بقلم الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

قال تعالى: (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ).

إنَّ السِّماتِ الْوُجُودِيَّةَ الَّتِي اتَّصَفَ بِهَا وَاجِبُ الْوُجُودِ، وَمِنْهَا الْعَلِيم السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وغيرها، لا تُوجَدُ فِي الْجَمَادِ بَلْ فِي وُجُودِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ، لذلكَ يمكنُ القولُ: إنَّ الْحَيَاةَ مِنْ سِمَاتِ وَاجِبِ الْوُجُودِ الْوُجُودِيَّةِ، ولكنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ رَبُّ الْحَيَاةِ لِأَنَّهُ خَالِقُ الْعَالَمِ بكُلِّ مَا فِيهِ، وَلِذَلِكَ كَانَ الأَنْبِيَاءُ عِنْدَمَا يَتَكَلَّمُونَ عَنْه يَقُولُون: (حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ)، كما أنَّ سيِّدنا أيُّوبَ الصِّدِّيقَ علينا سلامُهُ قال عنه: (قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ)، وقال: (يَسْجُدُونَ لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ).

فَحَيَاةُ وَاجِبِ الْوُجُودِ هِي تَجَلِّيهِ الْكَامِلُ وَعَدلُهُ الشَّامِلُ لِكُلِّ مَخْلُوقَاتِه لُطْفًا وإيناسًا وَهِدَايَةً، لأَنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ بِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ لا يُمْكِنُ أَنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِ قَوَانِينُ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، لِذَلِك نَرَى أَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ قَدْ وَصَّفَ هَذَا الْمَوْضُوعَ تَوْصِيفًا دَقِيقًا جِدًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، فَكَان الْوَصْفُ الْقُرْآنِيُّ بِعِبَارَةِ: (الْحَيُّ الْقَيُّومُ) يُعَبِّرُ عَنْ فَلْسَفَةِ الاتِّصَالِ وَالانْفِصَالِ بِعِبَارَةٍ وَاحِدةٍ وَلَفْظٍ دَقِيقٍ، فَكَلَّمَةُ (الحي) تَدُلُّ عَلَى تَجَلِّي وَاجِبِ الْوُجُودِ، وَكَلِمَةُ (القيُّوم) تعني: الْقَائِمُ بِذَاتِهِ الْمُسْتَغْنِي عَنْ مَخْلُوقَاتِهِ لأنَّه خَالِقُ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ.

فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَاتَ وَاجِبِ الْوُجُودِ مُقَيَّدَةٌ بِمَقَايِيسِ الْحَيَاةِ الْزَّمانِيَّةِ وَالْمَكَانِيَّةِ وَأَحْوَالِهَا وَشُؤُونِهَا فَقَدْ وَقَعَ بِالْحَصْرِ وَالتَّحْدِيدِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّه لا وُجُودَ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ فَقَدْ أَنْكَرَ وُجُودَ الْخَالِقِ وَوَقَعَ بالتَّعطيلِ.

فَالْحَقُّ أَنَّ يُقَالَ: إنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ هُوَ خَالِقُ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ وَهُوَ مِنْ قَدَّرَهُما حَتْمًا عَلَى الْمَخْلُوقَاتِ لِقَوْل سَيِّدِنَا النَّبيِّ الْمَسِيح (ع): (الحقَّ أقولُ لكم: إنَّ اللهَ لمَّا كانَ بالحقيقةِ مُستَغْنٍ عن غيرِهِ لم يكن له حاجةٌ إلى غَنَاءٍ، وهكذا لمَّا أرادَ وشَاءَ، أبدَعَ قبلَ كلِّ شيءٍ العقلَ الكلِّيَّ الذي لأجلِهِ قَصَدَ إلى خلقِ الكلِّ، لكي تَجِدَ الخلائِقُ فَرَحًا وبركةً باللهِ، وَيَسَّرَهُ بكلِّ خلائقِهِ التي قُدِّرَ أن تكونَ عبيدًا)، وإنَّه مِن لُطفِهِ تجلَّى لخلقِهِ فوَصَفوا تجلِّيهِ بالحيِّ القيُّومِ، فسُبحانَ مَن تفرَّدَ بالبقاءِ وتجرَّدَ عن السِّماتِ والأسماءِ لقول سَيِّدِنَا المسيح (ع): (هُوَ وحدَهُ لا نِدَّ لَهُ، لا بدايةَ ولا نهايةَ لَهُ، ولكنَّهُ جعلَ لكلِّ شيءٍ بدايةً وسيجعلُ لكلِّ شيءٍ نهايةً).

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> وجود الحي القيوم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger