ردنا على أهل الإلحاد- الجزء الثاني

0 716

ردنا على أهل الإلحاد- الجزء الثاني

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

التَّفكيرُ يَدعو الإنسانَ إلى نَيلِ الحقائقِ الإلهيَّةِ بِشُعُورِهِ الاستدلاليِّ، وهذا ما يُدعَى بالفلسفةِ الدِّينيَّةِ، لذلكَ لا فَصْلَ بين الدِّينِ والفلسفةِ الدِّينيَّةِ لأنَّهما شيءٌ واحدٌ لا تَعَدُّدَ فيه ولا اختلافَ؟ فالتَّفكيرُ يَدعو إلى الفلسفةِ الدِّينيَّةِ؛ وهي الحصولُ على الـمَعارفِ الإلهيَّةِ عن حجَّةٍ عقليَّةٍ، ومن أمثلةِ ذلكَ أنَّ الحَجَّاجَ (لع) سألَ الإمامَ علي زين العابدين علينا سلامُهُ تَعَنُّتًا: لماذا خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ؟ فأجابَهُ علينا سلامُهُ: (خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ صَنْعَةً، ولولا الصَّنْعَةُ ما عُرِفَ الصَّانِعُ، والصَّانِعُ لا يُهمِلُ صَنْعَتَهُ)، فسألَهُ الحجَّاجُ: لماذا يُميتُهم؟ فقال علينا سلامُهُ: (ليُظهرَ قُدرَتَهُ فيهم، ولو بَقَوا أحياء لَتَمَرَّدُوا على اللهِ)، فسألَهُ الحجَّاجُ: لماذا يُدخِلُ بعضَهم الجنَّةَ وبعضَهم النَّارَ؟ فأجابَهُ علينا سلامُهُ: (لِيُظهرَ فضلَهُ على مَن أطاعَهُ بالجنَّةِ، وَعَدلَهُ في مَن عَصَاهُ بالنَّارِ).

وقد وردَ عن أحدِ الفَلاسفةِ المُوحِّدين أنَّ للعالَمِ صانعًا أوجدَهُ، فإذا ثَبتَ حدوثُ العالمِ ثَبتَ أنَّ لهُ صانعًا مُحدِثًا، فلكلِّ صنعةٍ صانعٌ كالبناءِ والكتابةِ وغيرها…. إذ يستحيلُ إيجادُها لنفسها، ويستحيلُ عدمُ وجودِ الصَّانعِ مع وجُودِ الصَّنعة. وقد سُئِل أميرُ المُؤمنين الإمام علي (م) عن إثباتِ الصَّانعِ فقال: (البَعْرَةُ تَدُلُّ على البَعير، وآثارُ القدمِ تَدُلُّ على السَّيرِ، فَهَيْكَلٌ عُلْويٌّ بِهَذه اللَّطافةِ وَمَركَزٌ سُفليٌّ بِهَذِهِ الكثافَةِ لا يَدُلاَّن على اللَّطيفِ الخبيرِ؟!).

كما سُـئلَ الإمامُ الصَّادقُ علينا سلامُهُ: ما الدَّليلُ على أنَّ لك صانعًا؟ فقال: (وجدتُ نفسي لا تخلو من إحدى جِهَتَينِ: إمَّا أنْ أكونَ صَنَعْتُها أنا أو صَنَعَها غيري).

انظروا إلى هذا الجوابِ المُحكَم: إمَّا أنْ أكُونَ صَنَعْتُها أنا فأكونَ أمام أحدِ خيارين: فإذا كنتُ قد صَنَعْتُها وكانت موجودةً فقد اسْتَغْنَيْتُ بوجودها عن صنْعَتِها، وإن كُنت صَنَعْتُها وكانت معدومةً فالمعدومُ لا يُحدِثْ شيئًا، فَثَبَتَ بهذا أنَّ لي صَانعًا غيري هو الله سُبحانهُ وتعَالى.

ويلفُتُني هُنا أن أورِدَ حُجَّةً عقليةً عن أحدِ الأئمَّةِ إذ قالَ للطَّبيعي: إنَّه رأى سَفينةً صُنِعَتْ لِذاتها بلا صَانعٍ، وتمشي على الماءِ بأتمِّ نظامٍ بلا ملاَّحٍ، فاسْتَكْبَرَ الطَّبيعيُّ ذلك وأنكَرَهُ، فَرَدَّ عليه الإمام علينا سلامُهُ قائلاً: وَيْحَكَ أَيَكْبُرُ عليكَ مثل هذا وأنت تَعتَقِدُ مع عظمةِ هذا الكونِ وسِعَتِهِ أنَّه بدونِ مُكَوِّنٍ ومُدَبِّرٍ.

لهذه الحقيقة بالضَّبط توصَّلَ الفلاسفةُ والعُلماءُ الذينَ اعترفوا وأقرُّوا بوجودِ الخَالق، فأرسطو الذي يُسـمَّى بالمعلِّمُ الأوَّل قال: (واجبٌ ضرورةٌ أن يكونَ المُحرِّكُ الأوَّلُ شيئًا أحدًا أزلاً)، وديكارت العالم الرياضيُّ الشـهير قال: (إنِّي لم أخْلُقْ ذَاتِي بِنَفسِي، ولو أنِّي خَلَقْتُها كنت أَعْطَيْتُها سائرَ صِفَاتِ الكمالِ التي أُدْرِكها، إذن أنا مخلوقٌ)، وقال: (أقصدُ بكلمةِ اللهِ جَوهرًا لا مُتَنَاهيًا ثابتًا قائمًا بِذَاتِهِ واسعَ القدرةِ).

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> ردنا على أهل الإلحاد2

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger