أنوار الحق

0 804

أنوار الحق

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

قال تعَالى: (وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ).

إنَّ مَن تَدبَّرَ آيات اللهِ وأنصَفَ عقلَهُ مِنْ هواهُ، علِمَ بأنَّ الحق تعالى عزَّ شأنهُ موجُودٌ مُتجلٍّ، والخلقُ يرونهُ ويشاهدُونهُ ولا يعلمونَ حقيقتهُ.

فالموجودُ لا يُثبَتُ إلاَّ بمعرفةِ السِّمةِ، والسِّمةُ لابُدَّ لها من هيئةٍ توجدُ بها لكي يتَّصلَ الموحِّدُ بمعرفةِ السِّمةِ إلى مولاه كما رويَ عن الإمام الصَّادقِ علينا سلامُهُ أنَّهُ قال: (إنَّ العارفَ هو المحتاجُ إلى الأسماءِ ليدعو بها، وإلى السِّماتِ ليَستَدِلَّ منها على الوجودِ، ولو كانت السَّماتُ لا تدلُّ عليه وأسماؤهُ لا تدعو إليه لكانَ المعبودُ غيرَهُ والمطلوبُ سواهُ).

فهذا ممَّا يدلُّ على الوجودِ إذْ كانت الأسماءُ والسِّماتُ للعارفين أدلَّةً لوقوعِ الوجودِ والعِيَانِ، ولو لم يقعِ الوجودُ والعيانُ لَسَقطتْ أسماءُ المعرفةِ عن العارفين وبَطُلَتْ مَنازلُ المؤمنين وتساوَى الخلقُ أجمعين وسقطَ التفاضُلُ بينهم.

وهناكَ من الموجوداتِ ما يُرى في العيانِ ويُلمَسُ بحاسَّةِ اللمسِ وتُجهلُ معرفتهُ لعدمِ سَبقِ المعرفةِ بهِ، وقد يكونُ من أنفَسِ النَّفائسِ، وإذا سُئِلَ عنهُ مَنْ رآهُ يُنكُر رؤيتَهُ وذلك لِجَهلهِ بهِ وعدمِ معرفتهِ، بينما تَرَى العارِفَ بذلكَ الشَّيءِ إذا رَآهُ يُجلُّهُ ويُعَظِّمُهُ ويَعلَمُ رُتبتَهُ.

فإذا كانَ إبليسُ رآهُ وشاهدَهُ، وَوَردَ أنَّه كانَ يخاطبُهُ ويحاورهُ بالكافِ، وهو أعظمُ الخلقِ وزرًا وأظلَمُهم كدرًا، وشاهِدُهُ من الكتاب قوله تعالى: (أَنَاْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)، وقوله: (فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)، ثمَّ استثنى فقالَ: (إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)، فأجابَ الحقُّ جلَّ جلالهُ على قوله: (لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)، وكذلك قوله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)، فكيف يُحجِبُ المؤمِنُ العارفُ عن معرفتهِ، والعارفُ لم يُسمَّ عارفًا إلاَّ لأنَّه شَهدَ بما علِمَ وحقَّقَ ما وجَدَ.

وقد ذُكِرَ في مناظرةٍ جَرَتْ لعمران الصَّابئ مع مولانا الرِّضا علينا سلامُهُ وقوله له: (إيَّاكَ إيَّاكَ يا عمران قولَ الجهَّالِ أهلِ العمى والضَّلالِ الَّذينَ يقولونَ: إنَّ الإلهَ القديرَ حاضرٌ موجودٌ في الآخرةِ للحسابِ والعقابِ، وليسَ بموجودٍ في الدُّنيا للرِّضا والثَّوابِ).

فالحقُّ تعالى واجبُ الوجودِ لذاتهِ لكونِ عدمِ وجودِهِ يُعدِمُ جميع المُحدثاتِ، وبفيضِ وجُودهِ تنمو سائرُ الموجوداتِ من الخلقِ ِ كما قالَ أمير المُؤمنين الإمام علي (م): (إنَّ الصَّنعةَ على صَانِعِها تدلُّ).

وأوضحُ برهانٍ على ما ذكرناهُ قوله تعَالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ)، فالآياتُ: هي وجُودُ واجبِ الوجُودِ، وقوله: (في الآفاق)؛ يعني: في عالَمَ العقلِ، (وفي أنفسهم)؛ يعني: عالَمَ الحسِّ.

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> أنوار الحق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger