رؤية الآيات السماوية والأرضية

2 1٬616

رؤية الآيات السماوية والأرضية

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

ماذا تعني الرُّؤيةُ التي يتحدَّثُ عنها العلويُّونَ النُّصيريُّونَ؟

 

إنَّ موضوعَ الرُّؤيةِ موضوعٌ شائكٌ تاهَ فيهِ البشرُ منذُ بدأتْ الكتبُ السَّماويَّةُ تتحدَّثُ عنهُ، لأنَّ البشرَ الضُّعفاءَ تمسَّكوا بالْمَحسوسِ وضيَّعوا الْمَعقولَ، فَعَبَدوا الأصنامَ والنَّارَ والكواكبَ والأبشارَ والْمَلائكةَ والرُّسلَ والأنبياءَ، وضيَّعوا الحقَّ.

ومِن ثَبَاتِ بطلانِ عقائدِهم الْمُشَبِّهةِ أنَّهم عَبَدوا الزَّائلَ وَتَركوا الباقي، وَعَبدوا الآنيَّ وَتَركوا الدَّائمَ، لأنَّ فِكرَهم مَحدودٌ قاصرٌ عن فهمِ التَّوحيدِ.

يُمكننا أن نبدأ انطلاقًا من قولِ سيِّدنا النَّبيِّ الْمَسيح (ع): (إنَّ اللهَ تَراهُ في مَملكَتِهِ إلى الأبدِ حيث يكونُ قوامُ سعادَتِنا ومَجدِنا).

فهل اللهُ الْمَقصودُ هو الْمَسيحُ ذاتُهُ؟ أو بتعبيرٍ آخر هل هو النَّبيُّ أيًّا كان النَّبيُّ الْمَقصودُ؟ أم هو النُّورُ الْمَتجلِّي لأهلِ البصائرِ يَعرفونَهُ بدلائلِهِ وآياتِهِ، لأنَّهم يُدركونَ أنَّهم لا يَستطيعونَ رؤيةَ اللهِ كما هو بجَلالِ عَظـمَـتِهِ لقولِ مولانا أميرِ المؤمنين الإمام علي (م): (الْحَمْدُ لله الَّذِي لاَ تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ، وَلاَ تَحْوِيهِ الْمَشَاهِدُ، وَلاَ تَرَاهُ النَّوَاظِرُ).

فالرُّؤيةُ تكونُ لِنُورِ تَجلِّيهِ على قَدْرِ أهلِ العَزْمِ والبَصيرةِ، فمَن ارْتَقَى في عَزْمِهِ عَاينَ ذلكَ النُّورَ لا كما يُعَاينُهُ مَن هو أَدْنَى منه، فالكُلُّ مُشتَرِكُونَ برؤيةِ النُّورِ الإلهيِّ لقوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، لكنْ كُلٌّ يُبْصِرُ من ذلكَ النُّورِ معرفةً حسبَ طاقتِهِ، وهذا النُّورُ هو الآياتُ والدَّلائلُ التي ذكرَها تعالى بقوله: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، وقوله: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ)، ولو لم تكنْ رؤيةُ الآياتِ شـــاملةً لانْـتَـفَـتْ الحجَّةُ على الخَلقِ، بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّـــادقِ علينا سلامُهُ: (ما عُرِفَ مَحفوظٌ وما جُهلَ مَنبوذٌ، فإذا شَكَّ الْمَرءُ وارتابَ فيما يَرَى فهو فيما لا يَرَى أَشَكُّ وَأَريبْ).

إنَّ استِدْلالَنا يكونُ بهدايةِ العقلِ الذي هو أصلُ كلِّ هُدَى، على أنَّ الذي أظهرَ الْمُعجزاتِ والآياتِ وأخبرَ في كتابِهِ العزيزِ بِعِلمِ ما كانَ وما هو كائنٌ، هو ربُّنا ربُّ الأرضِ والسَّماواتِ، وأنَّ الأنبياءَ والرُّسلَ إليه دَعَوا وبتَوحيدِهِ نَطَقوا، وهو الذي وَصَفَ نفسَهُ بقولِهِ: (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

فالحياةُ دليلُ الوجودِ، وهو ضِدُّ العدمِ، لذلك كانت إشارةُ الأنبياءِ وأصحابِ الشَّرائعِ إلى إلَهٍ مَوجودٍ يعرفونَهُ.

مِن هنا نؤكِّدُ أنَّ الدَّليلَ على وجودِ الإلهِ يبدأُ بكتابِ اللهِ تعالى الذي فيه تبيانُ كل شيءٍ كما في قولِهِ عزَّ وجلَّ: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ)، وقوله: (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ)، إشارةً إلى آياتِهِ التي هي دلائلُ وجودِهِ سبحانَهُ.

وكذلكَ نســتدلُّ على وجودِ الإلهِ بأحاديثِ رسولِ الله (ص) وأحاديثِ الأئمَّةِ الْمَعصـومينَ علينا سلامُهُم الواردةِ عن طريقِ أهلِ الولاءِ من علماءِ نَهجِنا العَلويِّ النُّصيريِّ، ولقد أشارَ مولانا أميرُ المؤمنينَ الإمامُ علي (م) بقولِهِ: (فأمَّا أولياءُ الحَقِّ فَضِيَاؤهم فيها اليقينُ، وَدَليلُهُم سَمْتُ الهُدَى، وأمَّا أعْدَاءُ اللهِ فَدُعاؤهُم الضَّلالُ، وَدَليلُهُم العَمَى).

ولابدَّ من حُجَّةِ العقلِ التي قال فيها الإمامُ الكاظم علينا سلامُهُ: (إنَّ للهِ على النَّاسِ حُجَّتينِ، حُجَّةً ظاهرةً وحجَّةً باطنةً، فأمَّا الظَّاهرةُ فالرُّسلُ والأنبياءُ والأئمَّةُ، وأمَّا الباطنةُ فالعقولُ).

وهذه الأدلَّةُ مقرونةٌ بحكمِ الضَّرورةِ بالولايةِ الصَّادقةِ لأميرِ المؤمنينَ الإمامِ علي (م) لقولِ سيِّدنا رسولِ اللهِ (ص): (مَن أرادَ الحَقَّ فَليَنظُرْ إلى عَلِيٍّ، عَليٌّ مع الحَقِّ حَيثُ كانَ).

وحتَّى ننفي التُّهمةَ الدَّائمةَ بأنَّ العبادةَ لجسدِ عليٍّ، نُورِدُ ما جاء عنه (ص) أنَّه قال يومًا لأصحابِهِ: (إنِّي مُؤَدِّبُكُم بآدابِ اللهِ ورسولِهِ، وهو أنِّي آمُرُكم ألاَّ يَقومَ العبدُ إلاَّ لِمَولاهُ، والولدُ إلاَّ لوالدِهِ، والْمُتَعَلِّمُ إلاَّ لِمُعَلِّمِهِ، والتِّلميذُ إلاَّ للحكيمِ، والصَّغيرُ إلاَّ للكبيرِ، واللهُ أمرَنا نحنُ معاشرَ الأنبياءِ ألاَّ نقومَ إلاَّ للرَّبِّ جلَّ اسمُهُ). فأقبلَ مولانا أميرُ المؤمنينَ الإمام علي (م) بعدَ وقتٍ، فلمَّا رآهُ سيِّدنا رسولُ اللهِ (ص) قامَ لَهُ وقبَّلَ ما بينَ عينيهِ، فقالَ له أبو دُجانَةَ سمَّاكُ بن خرشنةَ الأنصاري رَضِيَ اللهُ عنهُ: (يا رسولَ اللهِ أنتَ السَّاعةَ تقولُ لنا: إنَّ اللهَ أمرَنا معاشرَ الأنبياءِ ألاَّ نقومَ إلاَّ للرَّبِّ، وأنتَ رَبَّيتَ عليًّا. وقلتَ: لا يقومُ الولدُ إلاَّ لوالدِهِ والْمتعلِّمُ إلاَّ لِمُعلِّمِهِ والتِّلميذُ إلاَّ للحكيمِ، وأنت أعلمُ من عليٍّ، وعليٌّ عَلِمَ منكَ. وقلتَ: لا يَقوم الصَّغيرُ إلاَّ للكبيرِ، وقد رأيناكَ قُمتَ لِعَلِيٍّ وأنتَ أكبرُ منهُ؟)؛ وطبعاً كانَ هذا السُّــؤالُ تعليمًا كي لا نقعَ بالغلوِّ الذي وقعَ بهِ الحشــويَّةُ والْمُقصِّرَةُ والْمُرتدُّونَ الخونةُ حينَ أسقطوا الأئمَّةَ والنَّبيَّ (ع) من مَقامِهم النُّورانيِّ وجَعلوهم واقعينَ تحتَ الجسمانيَّةِ البشريَّةِ، وكانَ أبو دُجانة يسألُ لِيُعلِّمنا أنَّ هذه التَّساؤلاتِ قد تصدرُ على سبيلِ القـياسِ والتَّحيُّـرِ عندما يتمُّ أخذُ الأحكامِ بشـكلِها الحسِّـيِّ الْمَاديِّ، فكانَ جوابُ سـيِّدنا رسـولِ اللهِ (ص) للدَّلالةِ على أنَّ الأمورَ لا تُقاسُ بالْمَقاييسِ الضَّيِّقةِ: (أنا قمتُ للنُّورِ الذي بين عَينيهِ)، وهذا النُّورُ هو نورُ الولايةِ التي جعلَها اللهُ شرطَ الإيمانِ في قوله تعالى: (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا)، فالولايةُ للهِ الحقِّ، ولكنْ لابدَّ للمؤمنِ من سبيلٍ لبلوغِها، فكانَ هذا السَّبيلُ هو النُّورُ الذي بينَ عَيني أميرِ المؤمنينَ لقوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).

فسيِّدنا رسولُ اللهِ (ص) رأى ذلكَ النُّورَ لا كما رآهُ أبو دجانة، ولا كما نراهُ نحنُ، فكلٌّ يبصِرُ من النُّورِ على حسبِ اســتطاعتِهِ، والإبصارُ هنا دليلُ الْمَعرفةِ، لأنَّ الكافرينَ لا يبصــرونَ رغمَ أنَّهم يرونَه أمامَهم إلاَّ أنَّهم كما قال تعالى: (وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> رؤية الآيات السماوية والأرضية

 

2 تعليقات
  1. Samerali يقول

    حياك الله

    1. admin يقول

      وحياك ربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger