الفراسة والمكاشفة والمشاهدة

2 4٬872

الفراسة والمكاشفة والمشاهدة

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

ما هو معنى الفَرَاسَةِ والْمُكاشَفَةِ؟ وهل تختلفُ عن الْمُشاهدَةِ؟ ومتى تَتَحَقَّقُ للمؤمنِ؟

 

إنَّ اللهَ تعالى جعلَ لكلِّ شيءٍ في الوجودِ عَرَضًا وَجَوهرًا، فالعَرَضُ له هَيئةٌ، نَسْتَدِلُّ من خِلالها على وُجُودِ الشَّيءِ، والجوهرُ لا هَيئةَ لَهُ. عِلمًا أنَّ العَرَضَ له صِفَاتٌ مُتعَدِّدَةٌ في عَالمِ الهَيئاتِ، وهذهِ الصِّفاتُ لا يُحصَى عَدَدُها، لأنَّها غيرُ ثابتةٍ عليهِ، بل هي مُتَبَدِّلَةٌ ومُتَغَيِّرةٌ وَزَائِلةٌ، أمَّا الذي يَبقى فهو الجوهرُ الحَقيقيُّ الذي لا يَتغيَّرُ ولا يَزُولُ.

وانطلاقًا من هذا يمكنُ القولُ: إنَّ الإيمانَ للمؤمنِ مثالُ النَّفسِ للإنسانِ، عَرَضُهُ الإسلامُ، وجَوهرُهُ الإقرارُ. فعَرَضُ الإيمانِ له هيئةٌ يُعرَفُ بها، وهذهِ الهيئةُ عِبَارةٌ عن الأفعالِ الصَّادرةِ عن المؤمنِ من الطَّاعةِ للهِ والبراءةِ من المشركينَ والولاءِ للأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسلِ والأولياءِ. وأمَّا جوهرُ الإيمانِ فهو الفيضُ الرَّبَّانيُّ الفائضُ على المؤمنِ من جهةِ الحقِّ تعالى لِيَشْهَدَ آياتِهِ السَّماويَّةَ والأرضيَّةَ ويُقرَّ بها فيُصبِحَ مؤمنًا كاملاً، وحتَّى يَبلُغَ الإيمانُ كمالَهُ لابدَّ أن يَتَدرَّجَ في مراتِبِهِ الثَّلاثةِ وهي: الفَراسةُ، والْمُكاشَفَةُ، والْمُشاهَدَةُ.

أوَّلُ مرتبةٍ من مراتبِ الإيمانِ هي الفَرَاسَةُ ولها مقامُ الإثباتِ الحسِّيِّ؛ وهي عبارةٌ عن إيحاءٍ يَفيضُ نورًا على القلبِ بدليلِ قولِ سيِّدنا رسولِ اللهِ (ص): (اتَّقوا فراسةَ المؤمنِ فإنَّهُ ينظرُ بنورِ اللهِ)، وهذا الإيحاءُ يَنفي عنهُ الشَّكَّ بدليلِ قولِ مولانا أميرِ المؤمنين الإمام علي (م): (اتَّقوا ظُنُونَ الْمؤمنينَ فإنَّ اللهَ جَعَلَ الحقَّ على أَلْسِنَتِهم). وقد تُطلَقُ على الفراسةِ صِفَةُ التَّوَسُّمِ لقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ) أي الْمُتَفرِّسينَ كما فسَّرها الإمامُ الصَّادقُ علينا سلامُهُ.

والفراسةُ ليسَت معرفةَ الغيبِ بل هي مِن الأنباءِ الْمُصَرَّحِ لأهلِ التَّوسُّمِ أنْ يَعرِفوها تكريمًا لَهُم لقوله تعالى على لسانِ سيِّدنا النَّبيِّ المسيح (ع): (وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)، وقوله سبحانه: (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا).

ثاني مرتبةٍ من مراتبِ الإيمانِ هي الْمُكاشَفَةُ ولها مقامُ الإثباتِ الحسِّيِّ والعقليِّ؛ وهي عبارةٌ عن تجلِّي ذلكَ النُّورِ للعقلِ لِنَفي ما بَدَا للقلبِ من الهيئاتِ المحسوسةِ والأعراضِ الزَّائلةِ بدليلِ قوله تعالى: (فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)، وبهذا الكشفِ يُفرَّقُ بينَ الأعراضِ الحسِّيَّةِ والجواهرِ العقليَّةِ، فَيَرتَقِي الإيمانُ كلَّما ازدادَ الكَشْفُ إلى درجةِ اليقينِ بدليلِ قولِ مولانا أميرِ المؤمنين الإمام علي (م): (لو كُشِفَ لي الغطاءُ ما ازْدَدْتُ يقينًا)، وَيَرتقي أهلُ الكشفِ من مرتبةِ الفراسةِ الْمُتَعَلِّقَةِ فقط بالأعراضِ الحسِّيَّةِ، إلى مرتبةِ المُكاشَفَةِ اليَقينيَّةِ بمعرفةِ الجواهرِ في عالمِ العقلِ والأعراضِ في عالمِ الحسِّ بدليلِ قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ).

وتتمثَّلُ المكاشفةُ في معرفةِ أنباءِ الغيبِ الْمُصَرَّحِ بها لأهلِ الكَشفِ بدليلِ قوله تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)، ولابدَّ هنا من التَّنبيهِ على أنَّ أنباءَ الغيبِ غيرُ الغيبِ الْمُمتَنِعِ في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ)، وقوله: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ).

ثالثُ مرتبةٍ من مراتبِ الإيمانِ هي الْمُشاهَدَةُ ولها مقامُ الإفرادِ؛ وهي عبارةٌ عن الإقرارِ بأنَّ ما فاضَ على القلبِ وَتَجَلَّى للعقلِ هو دليلُ الوجودِ في عالمِ الحسِّ وعالمِ العقلِ، وأنَّ الحَقَّ أَجَلُّ وأعلى مِن كلِّ إيحاءٍ وخاطرٍ وَوَهْمٍ وفَهْمٍ، ولا يُقالُ له: عرضٌ ولا جوهرٌ.

وبهذا يَتخطَّى أهلُ الشُّهودِ مَرتبةَ التَّوسُّمِ والكَشْفِ، ويُحَقِّقونَ الإقرارَ بما كَلَّفَ اللهُ عبادَهُ من إثباتِ الوجودِ في عالمِ الحسِّ وعالمِ العقلِ، وما فرضَ اللهُ تعالى من إفرادِ ذاتِهِ عن الأسماءِ والصِّفاتِ الْمَحسوسةِ والأفعالِ الْمَعقولةِ بدليلِ قوله تعالى: (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)، فَمَقامُ الإفرادِ لا يُمكنُ الإشارةُ إليهِ، ولا يمكنُ التَّعبيرُ عنهُ بالعبارةِ، كما قالَ مولانا أميرُ المؤمنين الإمام علي (م) لكُمَيل بن زياد (ع) حينَ سألهُ عن الحقيقةِ: (الحقيقةُ: كَشْفُ سُبحاتِ الجلالِ من غيرِ إشارةٍ)، فإذا بلغَ المؤمنُ مقامَ الإفرادِ صارَ في مرتبةِ الْمُشَاهَدَةِ.

وتَتَمَثَّلُ الْمُشاهدَةُ بظهورِ الْمُعجزةِ على يَدِ أهلِ الشُّهودِ الْمُتَحَقِّقِينَ بحقيقةِ الإيمانِ، والذين قالَ الإمامُ الصَّادقُ علينا سلامُهُ فيهم: (إذا صارَ الأمرُ إليه جعلَ له عمودًا من نورٍ يُبصِرُ بهِ)، والذينَ قَطَعُوا مَرَاحِلَ الجُهْدِ وتَخَطَّوا دَرَجاتِ الجِدِّ، فكانت مرآةُ بَصِيرَتِهم صَافيةً صفاءَ الماءِ العذبِ الذي قال تعالى فيه: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ)، والحياةُ هنا هي تَحويلُ العلمِ بالأحداثِ الْمُستَقْبَليَّةِ إلى عَمَلٍ يَقومُ به أهلُ الشُّهودِ لِتَهيئَةِ الظُّروفِ لِيَكونَ كلُّ قادمٍ مُسَخَّرًا لخدمةِ نهجِ الحقِّ ونُصرَتِهِ، وهو معنى قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ).

 

والخلاصةُ مما سبقَ: الفراسةُ مَعرِفَةُ الأنباءِ وهي أوَّلُ مراتبِ الإيمانِ، والمكاشفةُ معرفةُ أنباءِ الغيبِ وهي ثاني مراتبِ الإيمانِ، والمشاهدةُ رسمُ المستقبلِ وهي ثالثُ مراتبِ الإيمانِ، ولا يَبْلُغُها إلاَّ مَن كَمُلَ إيمانُهُ من أهلِ اللُّطفِ الخالصينَ من كلِّ كثيفٍ.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> الفراسة والمكاشفة والمشاهدة

2 تعليقات
  1. Samerali يقول

    عليك سلام الله ورحمته

    1. admin يقول

      وعليكم السلام

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger