الأسماء الحسنى ومفهوم العبادة

6 1٬473

الأسماء الحسنى ومفهوم العبادة

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

هل يجوزُ للـمُؤمنِ أن تكونَ عبادَتُهُ للأسماءِ الحسنى كالرَّحمنِ والرَّحيمِ والعليمِ والقديرِ و…..؟

 

بالتأكيدِ هذا لا يجوزُ، فنحنُ- كعلويِّينَ نُصيريِّين- نَصِلُ في توحيدِنا إلى مرحلةِ التَّجريدِ الخالصِ بعدَ الإثباتِ، فَنُحَقِّقُ ميزانَ التَّوحيدِ في الإثباتِ والإفرادِ، والذي يَفقدُ الحشويَّةُ والْمُقصِّرَةُ- على حَدٍّ سَوَاء- أحدَ كَفَّتَيهِ.

إنَّ مَن عَبَدَ الأحَدَ تعالى، وأشارَ لأسمائِهِ الحُسْنَى على أنَّها أسماءُ وصِفَاتُ اللهِ، وأنَّ ذاتَهُ تَعالى فوقَها، كانَ مُوَحِّدًا.

أمَّا مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ هناكَ فاصَلةً بين اللهِ وأسمائِهِ الحسنى، وجعلَ الأسماءَ الحسنى آلهةً أخرى غيرَ الأحَدِ عزَّ وجلَّ، فَيَكون قد فَرَّقَ بين اللهِ وأسمائِهِ الحُسْنَى وهذا هو الشِّركُ والضَّلالُ.

ولكن نقولُ: مَن عَبَدَ الأسماءَ الحسنى دونَ الأحَدِ فقد كفرَ، ومَن عَبَدَ الأحَدَ والأسماءَ الحسنى فقد أشرَكَ، ومن عَبَدَ الأحَدَ بحقيقةِ الإفرادِ عن الأسماءِ الحسنى فقد وَحَّدَ.

فلا يجوزُ أن نَتَّبعَ ما زَعَمَهُ الحشويَّةُ والْمُقصِّرَةُ والْمُرتدُّونَ الخَوَنةُ من أنَّ (الأحَدَ هو الأسماءُ الحسنى والأسماءَ الحسنى هي الأحَدُ!!)، مُنطَلِقِينَ من فهمِهم الخَاطئِ لقوله تعالى: (قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْـمَاء الْحُسْنَى)، فاللهُ تعالى لم يَقُلْ: (قُلِ اعبدُوا، وأيًّا ما تَعْبُدُوا)، بل قال: (ادْعُوا)، أي: خَاطِبُوا وَتَوجَّهوا بالدُّعاءِ باستعمالِ الأسماءِ الحُسْنَى، واقْصُدُوا بالعبَادةِ للأحَدِ الحَقِّ الـمُنَزَّهِ عن الأسماءِ الحُسْنَى، وليست هيَ هو في الحقيقةِ والكُنْهِ لقوله تعالى: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى).

اللهُ تعالى عرَّفَنا الأسماءَ الحسنى لإثباتِ الوجودِ، وَرِفْقًا بالعبدِ الطَّائعِ لِيَتَوَجَّهَ إليهِ بها، وذلكَ لِعَجْزِهِ عن الدُّعاءِ مِن دُونِها، فَهَذا هُوَ قَدْرُ الـمَخْلُوقِ الضَّعيفِ، بدليلِ قول الإمام علي زين العابدين علينا سلامُهُ: (إلَهِي لَولا الواجبُ من قبولِ أمرِكَ لَنَزَّهْتُكَ عن ذكري إيَّاكَ، على أنَّ ذِكْرِي لكَ بقَدْرِي لا بقَدْرِكَ، وما عَسَى أن يَبْلُغَ مِقْدَاري حتَّى أُجْعَلَ مَحَلاًّ لِتَقديسِكَ، وَمِن أعظمِ النِّعَمِ علينا جَرَيانُ ذِكْرِكَ على ألسِنَتِنا).

وكمثالٍ توضيحيٍّ على هذا نقول: إنَّ النَّجارَ قد يَصْنَعُ من الخشبِ كرسيًّا، فالكرسيُّ من الخشبِ صُنِعَتْ وإليهِ ترجعُ، أي أنَّ حقيقةَ الكرسيِّ خشبٌ، وليسَتْ حَقيقةُ الخَشَبِ كُرْسِيًّا، بل هُوَ من هَيئَاتِ الخَشَبِ بعدَ الصُّنعِ، له طُولٌ وعَرْضٌ وصِفَةٌ مَعرُوفَةٌ. وهكذا يمكنُ القول: (إنَّ الكرسيَّ خَشَبٌ)، ولا يمكنُ القول: (إنَّ الخَشَبَ كُرْسِيٌّ). فالخشبُ للتَّحقيقِ والكرسيُّ للاستعمالِ.

أمَّا الصَّانعُ فهو النَّجَّارُ، الذي لَهُ الفَضْلُ في الإيجادِ والصُّنعِ، فالاستدلالُ على وجودِ الصَّانعِ يكونُ بآثارِ الصَّنعةِ على الـمَصْنُوعِ، والصَّانِعُ يُدعى باسمِ الصَّانعِ بعدَ الصُّنعِ، ولكنَّه مُنزَّهٌ عن فِعْلِ الصَّنعةِ؛ وهكذا فإنَّ اللهَ تعالى يُدْعَى باسمِ الرَّحمنِ الرحيمِ بعدَ وَهْبِ الرَّحمَةِ ويُنَزِّهُ ذاتَهُ عن فِعلِ الرَّحمَةِ، ويُدعَى باسم العَلِيمِ بعدَ إفاضةِ العلمِ ويُنَزِّهُ ذاتَهُ عن فعلِ العِلْمِ، ويُدعى باسمِ القَديرِ بعدَ إظهارِ القُدْرَةِ ويُنَزِّهُ ذاتَهُ عن فِعْلِ القُدْرَةِ، حيث وردَ عن سيِّدنا محمد بن سنان الزَّاهري (ع) أنَّهُ قال: (كُلُّ ما رأيتَ مِن قُدْرةٍ فَمِنَ القادرِ لأنَّ القدرةَ لَهُ)، ولم يَقُلْ: لأنَّ القدرةَ هُوَ.

كما أنَّ واهبَ الرَّحمةِ أَجَلُّ مِن الرَّحمةِ نفسِها، ومُفيضَ العلمِ أَجَلُّ مِن العلمِ نَفْسِهِ، ومُظهِرَ القدرةِ أَجَلُّ من القدرةِ نَفْسِها، بدليلِ قولِ الإمامِ الباقر علينا سلامُهُ: (فلا يُوصَفُ بقدرةٍ إلاَّ مَن كانَ أعظمَ من ذلكَ)، كما وردَ في كتاب تحفِ العقولِ عن آلِ الرَّسولِ (ص) أنَّه قيلَ للإمامِ الرِّضا علينا سلامُهُ: إنَّ قومًا يقولون: إنَّه عزَّ وجلَّ عَالِمًا بعِلْمٍ وقَادِرًا بقُدْرةٍ وقَدِيمًا بقِدَمٍ وسَمِيعًا بسَمْعٍ وبَصِيرًا ببَصَرٍ؟ فقال علينا سلامُهُ: (اتَّخَذُوا مع اللهِ إلَهًا آخرَ وليسَ هُمْ مِن وِلايَِِتِنا على شَيءٍ، تَعَالى اللهُ عمَّا يقولُ المُشركونَ والمُشَبِّهونَ عُلُوًّا كبيرًّا).

ولا يمكنُ أن يكونَ الفعلُ مَاهِيَّةً لفاعلِهِ؛ أي أن تكونَ: الرَّحمةُ ماهيَّةً للرَّحمنِ الرَّحيمِ، والعلمُ ماهيَّةً للعليمِ، والقدرةُ ماهيَّةً للقديرِ، ففي هذا نَقصٌ لِذاتِهِ ونَقْضٌ لِمَا تَمَّ إبرامُهُ وحَلُّ لِمَا تَمَّ عَقَدُهُ، وبالتَّالي هذا هو الشِّركُ الخَفِيُّ بالأسماءِ الحُسْنَى بسَبَبِ تَعَدُّدِ الـمَاهِيَّاتِ.

ولا يُقالُ بالمقابلِ: (إنَّها غيرُهُ!!)، بمَعنى أنَّه لا يُقالُ: (إنَّ الرَّحمةَ والعلمَ والقدرةَ لا تَدُلُّ على اللهِ، لأنَّها صَدَرَتْ عن غيرِهِ!!)، فنكونَ قد كَفَرْنا مِن حيثُ آمَنَّا بدِينِ الحقِّ ونهجِ الصِّراطِ العلويِّ المستقيمِ.

 

وهنا نلخِّصُ جوابَنا الصَّحيحَ بالقولِ:

إذا أَقْرَرْتَ بالرَّحْمَةِ التي هي فِعْلُ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، وبالعلمِ الذي هو فِعْلُ العَليمِ، وبالقُدْرَةِ التي هي فِعْلُ القَديرِ، وأنتَ تَقْصُدُ إثباتَ وجودِ اللهِ الذي لَهُ هذه الأسماءُ الحُسْنَى (الرَّحمنُ الرَّحيمُ والعليمُ والقديرُ) فقد حَقَّقْتَ صِلَتَكَ بمَعرفةِ اللهِ وكنتَ من أهلِ الإقرارِ.

وإذا فَصَلْتَ بينَهم، وَجَعَلْتَ الرَّحمنَ الرَّحيمَ غيرَ اللهِ، والعليمَ غيرَ اللهِ، والقديرَ غيرَ اللهِ، فقد تَوَجَّهْتَ إلى غيرِ اللهِ وكنتَ من أهلِ الإنكارِ.

أمَّا إذا قلت: إنَّ صِفَةَ الرَّحمنِ الرَّحيمِ غيرُ صِفَةِ العليمِ، وغيرُ صِفَةِ القَديرِ، إلاَّ أنَّهم صِفَاتٌ مُختَلِفَةٌ مُنفَصِلَةٌ لِحَقيقةٍ واحدةٍ هي الوَاحِدِيَّةُ، ولَكِنَّ الأحَدَ تعالى بذاتِهِ أَجَلُّ من جميعِ الصِّفاتِ والأشياءِ والأسماءِ والأفعالِ والـمَحسُوسَاتِ والـمَعقُولاتِ، فقد كنتَ من أهلِ التَّوحيدِ.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> الأسماء الحسنى ومفهوم العبادة

6 تعليقات
  1. ابو اسعد الاسدي يقول

    مأجورين ومشكورين

    1. admin يقول

      بوركت

  2. يامن يقول

    التجريد الخالص بعد الإثبات ، أرقى مفهوم للتوحيد

    1. admin يقول

      حياك الله

  3. Samerali يقول

    بوركت

    1. admin يقول

      شكرا لك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger