فلسفة الإخلاص عند فيلسوفنا العماد الغساني

0 1٬478

فلسفة الإخلاص عند فيلسوفنا العماد الغساني

شيخنا الجليل أحمد قرفيص (ق)

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

قال تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ).

 

سُمِّيَتْ سُورةُ الإخلاصِ بهذا الاسمِ لأنَّ الإخلاصَ هو تَمحيصُ الهويَّةِ الأحديَّةِ عن شَائبةِ الكثرَةِ الصِّفاتيَّةِ والفعليَّةِ، كما قالَ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (كمالُ توحيدهِ الإخلاصُ لهُ، وكمالُ الإخلاصِ لهُ نفي الصِّفاتِ عَنهُ…).

(قل): فِعلُ أمرٍ من الهويَِّةِ الأحديَّةِ على مظهَرِ التَّفصيلِ الدَّالِّ على الهُويَّةِ الأحديَّةِ الصِّرفَةِ، أي الذَّاتِ الْمُقدَّسَةِ من حيثُ هي، بلا اعتبارِ سِمَةٍ أو حَدٍّ، فلا يَعرِفُها إلاَّ هُو.

(أحَد): هي لفظةٌ للإلهِ وحدَهُ لا يُشارِكُهُ فيها أحَدٌ، والفرقُ بين الأحدِ والواحدِ، كما في قول سيِّدنا النَّبيِّ المسيح (ع): (أنا والآبُ واحدٌ، ولكنْ هو أعظمُ من الكُلِّ).

فالأحدُ اسمٌ للذَّاتِ الْمُقدَّسةِ وحدَها، بلا اعتبارِ الكثرَةِ الصِّفاتيَّةِ والفعليَّةِ فيها، أمَّا الواحدُ فهو الحَضرةُ الأسمائيَّةُ والصِّفاتيَّةُ التي تَدلُّ وترشِدُ السَّالكَ إلى الهويَّةِ الْمَحضَةِ غيرِ المعلومةِ (الإلهِ)، ودَلَّ عليها بوجُودِهِ وتجلِّيهِ، كدلالةٍ للشَّهادةِ على أنَّها الذَّاتُ المقدَّسةُ في الحقيقةِ من حيثُ وجُودُها وتجلِّيها لعالَمَي العقلِ والحِسِّ، لا من حيثُ الهويَّةُ الأحديَّةُ الصَّمديَّةُ، لِيَدُلَّ على أنَّ الكثرةَ الاعتباريَّةَ الصِّفاتيََّةَ والفعليَّةَ ليسَتْ بشيءٍ في الهويَّةِ الأحديَّةِ الصَّمديَّةِ، بحسبِ الحقيقةِ، لقولِ فيلسُوفِنا العظيم العمادِ الغسَّانيِّ (ق): (فليسَتْ هي بهَيئةٍ ولا هي من قَبيلِ الهَيئاتِ والأشكالِ، وليسَتْ بكَيفيََّةٍ، ولا لها جنسٌ ولا فصلٌ ولا حَدٌّ، وهي خارجةٌ عن هذهِ الحدودِ).

(اللهُ الصَّـمدُ): الصَّـمَدُ هو الذي لا جوفَ لهُ، وهو الْمُجرَّدُ عن الكميَّةِ والكيفيَّةِ والـماهيَّةِ والأينيَّةِ واللاميَّةِ، فهذهِ النِّسَبُ الخمسةُ هي نِسَبٌ وجوديَّةٌ فقط، وهي بَعدَ إيجادِ الخَلقِ وليسَتْ قبلَهُ.

(لم يَلِدْ): لِنَفي العِلَّةِ، لأنَّ الولادةَ تَقتضي التَّجزِئَةَ والتَّبعيضَ، وهذا لا يَجري على هويَّتِهِ الأحديَّةِ الصَّمديَّةِ، لقولِ فيلسُوفِنا العماد الغسَّاني (ق): (لا يتجزَّأُ، ولا يَنفَعِلُ، وليسَ لَهُ عِلَّةٌ).

(لَم يُولَد): لِنَفي العِلَلِ، لِصَمَديَّتِهِ المُطلَقَةِ، فلم يكن مُحتاجًا لِغَيرهِ مُطلقًا، لأنَّ هويَّتَهُ الأحديَّةَ غيرُ قابلةٍ للكَثرةِ والانقسامِ.

فواجبُ الوُجودِ أوجدَ العلَّةَ الفعَّالةَ الأولى، ثمَّ تجلَّى لها كَمِثلِها، وهذهِ هي الغايةُ من إيجادِها لقولهِ تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، فواجبُ الوجودِ هو مُعِلُّ العِلَلِ بعد إيجادِ الخلقِ والتَّجلِّي لهم على مِثَالِهم، لقول فيلسُـوفنا العظيم العماد الغسَّـاني (ق): (لا يجُوز سُؤالُنا عن العِلَّةِ إلاَّ بعد العلمِ بوجودِ ذاتِ الـمَسؤولِ عنهُ).

(ولم يكن لهُ كفوًا أحَدٌ): لِنَفي الشَّبيهِ والنَّظيرِ والنِّدِّ والضِّدِّ، ولهذا سُمِّيَتْ سورةَ الأساسِ، لأنَّ أساسَ الدِّينِ هو التَّوحيدُ الخَالصُ، وهو أساسُ الوجودِ لقولِ سيِّدنا رسول الله (ص): (أُسِّسَتِ السَّمواتُ السَّبعُ والأرضون السَّبعُ على: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ).

فالأحديَّةُ دليلُ الكُمونِ الذي لا اسمَ لَهُ في عوالِمِ الذِّكرِ الحكيمِ، ولا رَسمَ ولا أثرَ لِحَقيقتِهِ المقدَّسةِ في عوالِمِ المُلكِ والملكوتِ، تنقطعُ عندهُ آمالُ العارفينَ، وتَزِلُّ عندَهُ أقدامُ السَّالكينَ، حتى قيلَ: إنَّ العجزَ عن المعرفةِ هو غايةُ معرفةِ أهلِ الـمُكاشـَفَةِ، فطُوبَى للمُهتَدينَ إلى صِـراطِ الحقِّ المسـتقيمِ، مُهتَدينَ بقولِ سيِّدنا رسول الله (ص): (إنَّ مَثَلَ عليٍّ بينَ النَّاسِ، كَمَثَلِ “قُلْ هو اللهُ أحَدٌ” في القرآنِ).

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> فلسفة الإخلاص عند العماد الغساني

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger