الحج الإبراهيمي

0 904

الحج الإبراهيمي

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

قال تعالى: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).

لا شكَّ أنَّ الحجَّ الذي يَفتَقِدُ لِمَقامِ الرُّوحانيَّةِ، والخالي من التَّحرُّكاتِ والسَّكَنَاتِ، الحَجَّ الذي لا يتضمَّنُ البراءةَ من الشِّركِ الصِّفاتيِّ والفعليِّ، الحَجَّ الذي لا يُوصِلُكَ إلى الولاء العلويِّ، الحجَّ الخالي من التَّوجُّهِ لكَعبَةِ خليلِ اللهِ الحقيقيَّةِ، ليسَ حَجًّا… فما أكثرَ الضَّجيجَ وما أقلَّ الحجيجَ.

 

قال تعالى: (لقد رَضِيَ اللهُ عن المؤمنينَ إذ يُبايِعُونَكَ تحت الشَّجرةِ).

الكونُ كلُّهُ شَجرةُ حروفٍ، وحَرفٌ تُلقيهِ لِتَبني به مؤمنًا يافعًا، خيرٌ من بناءِ ألفِ جامعٍ، وخيرٌ ممَّن كَسَا الكعبةَ وألبَسَها البَراقعَ، وخيرٌ ممَّن قامَ للهِ بين ساجدٍ وراكعٍ، وخيرٌ ممَّن جاهدَ الكفرَ بسيفٍ مُهنَّدٍ قاطعٍ، وخيرٌ ممَّن صَامَ الدَّهرَ والحرُّ واقعٌ، فيا بُشرَى لِمَن بحَرفٍ أحيا نفسًا وعرَّفها كيفَ تُبايع، فبلغَتْ بمقصَدِها رِضا ذاكَ الـمَقام الـمَحمود الجَّامعِ.

 

قال تعالى: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ).

فالحَجُّ الإبراهيميُّ الحقيقيُّ تَوَجُّهٌ بالكلِّيَّةِ الرُّوحيَّةِ والقوى الـمَلَكـوتيَّةِ إلى فاطرِ السَّمواتِ والأرضِ، (وَأَذِّن فِي النَّاسِ) بالدَّعوَةِ الى الـمَقاماتِ الرُّوحانيَّةِ السَّـماويَّةِ والأرضـيَّةِ وزيارَاتِها (يَأْتُوكَ رِجَالًا) بتَجريدِها عن سِمَاتِها وحُدودِها، (وَعَلَى كُلِّ) لكلِّ نفسٍ آمنَتْ فَشَهِدَتْ جمالَها وانعكاسَ صَفائِها على مُحَيَّاها، (يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ) طريقِ استقامَتِها بعينِ الشُّهودِ مُعاينًا واجبَ الوجودِ، (لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) لِيَشهَدُوا أنوارَها وسموَّ مقامِها بعينِ الحقيقةِ، (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ) بالاتِّصافِ بصِفاتِها، (فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ) من أنوارِ التَّجلِّياتِ والـمُكاشَــفاتِ، (عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) بإنعامِها عليهم بمَقاماتِ وُجودِها بينهم كمِثالِهم بمَقاماتِ جَلالِها وسِمَاتِها وحُدودِها الـمَذبوحة تَجريدًا وفصـلاً وتقرُّبـًا للهِ تعالى، (فَكُلُوا مِنْهَا) أي استفيدوا من بهاءِ وجودِها وأنوارِ حُروفِها ومَلَكَاتِها الـمُعايَنَةِ، (وَأَطْعِمُوا الْبَائِـسَ الْفَقِيرَ) وادعُوا إلى الحجِّ الإبراهيميِّ الحقيقيِّ إليها حجًّا مبرورًا مُعَاينًا في سلوكِ السَّالكِ إليها، فيا بُشرَى مَن حَجَّ إليها فَعَايَنَ أنوارَ جمالِها، ثمَّ ضَحَّى بسِمَاتِها وجَلالها.

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> الحج الإبراهيمي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger