السيدة مريم والروح القدس في المنطق العلوي

0 1٬409

السيدة مريم والروح القدس في الـمنطق العلوي

بقلم الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

 

إنَّ منطقَ إشراقِ سيِّدنا الْمَسيحِ (ع) من سيِّدتنا مريم العذراء (ع) منطقٌ يَعجزُ عن إدراكِهِ الآخرونَ (الَّذِينَ طُرُقُهُمْ مُعْوَجَّةٌ، وَهُمْ مُلْتَوُونَ فِي سُبُلِهِمْ) كما وصفتهُمُ الأمثالُ السُّليمانيَّةُ، فلهذا الْمَنطقِ سِرٌّ صَعبٌ مُستَصْعَبٌ حَيَّرَ الآخرينَ، وحكمةٌ بالغةٌ لا يُدرِكُها إلاَّ السَّالكونَ في صراطِ الْمَنطقِ العلويِّ لأنَّ (هذَا الْبَاب لِلرَّبِّ، الصِّدِّيقُونَ يَدْخُلُونَ فِيهِ) كما وردَ في الْمَزاميرِ الدَّاؤوديَّةِ.

وقد عَبَّرَ منطِقُنا العلويُّ عن إشراقِ سيِّدنا الْمَسيحِ (ع) بمُصطلحِ (الإيجادِ الرَّبَّانيِّ) نهيًا عن التَّقسيمِ والتَّبعيضِ، ولهذا قال سيِّدنا الْمَسيحُ (ع): (لَوْ كَانَ اللَّهُ أَبَاكُمْ لَكُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي لأَنِّي خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ وَأَتَيْتُ، لأَنِّي لَمْ آتِ مِنْ نَفْسِي بَلْ ذَاكَ أَرْسَلَنِي)، فالْمَقصودُ من حرف الجر (من) هو الإشارةُ للمَصدرِ الرَّبَّانيِّ لا تبعيضُ وتجزئةُ الآبِ، فسيِّدنا الْمَسيحُ (ع) ليسَ هو الآبُ لا بعضٌ من الآبِ ولا جزءٌ منه، إلاَّ أنَّه لم يَخرجْ إلاَّ من الآبِ.

وهذا ينفي زعمَ أهلِ التَّضليلِ بأنَّ سيِّدنا الْمَسيحَ (ع) وُلِدَ ولادةً طبيعيَّةً من يوسفَ ومريم بحجَّةِ أنَّه من غيرِ الْمَعقول أن يُولَدَ إنسانٌ ذو جسدٍ حقيقيٍّ بغيرِ هذهِ الولادةِ!! لأنَّ غايتَهم الطَّعنُ بعصمةِ سيِّدتنا مريم العذراء (ع)!!

ولكنَّ مَنطقَنا العلويِّ يردُّ عليهم بأنَّ إشراقَ سيِّدنا الْمَسيحِ (ع) بلا أبٍ يُمثِّلُ منطقَ الْمُباركةِ الْمَريميَّةِ، حيث أنَّ مباركةَ سيِّدتنا مريم العذراء (ع) كانت منذ تكوينِها ونشأتِها إذ تصدَّقتْ بها والدَتُها حنَّة لبيت الْمَقدسِ، وقدَّمَتها نذرًا مُحرَّرًا من علائقِ الدُّنيا خالصةً للرَّبِّ مُفرَّغةً لعبادَتِهِ، وسمَّتها (مريم) بمعنى العابدةِ. وقد أكَّدَ على منطقِ الْمُباركةِ الْمَريميَّةِ خطابُ الْمَلاَكِ في قوله لها: (سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ… لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ).

فاختيارُ سيِّدتنا مريم العذراء (ع) لتكونَ الواسطةَ لإشراقِ سيِّدنا الْمَسيحِ (ع) كان بركةً عليها ونعمةً لها من الرَّبِّ، وهي تُدرِكُ ذلكَ بيقينِها، لهذا لم تخاطبِ الرَّبَّ تخييلاً ولم تُجسِّدْهُ على طريقةِ إيجادِ الشَّيءِ من الشَّيءِ تجنيسًا كما يظنُّ أهلُ التَّشبيهِ، بل سبَّحتِ الرَّبَّ ومجَّدَتهُ بقولها: (تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ نَفْسِي بالرَّبِّ مُخَلِّصِي، لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فمُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي، لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ وهوَ قُدُّوسٌ، وَرَحْمَتُهُ إِلَى جِيلِ الأَجْيَالِ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَهُ).

 

وقد زعمَ أهلُ التَّجسيدِ أنَّ سيِّدنا الْمَسيحَ (ع) نزلَ من السَّماء مباشرةً بجسدٍ حقيقيٍّ ضعيفٍ!! وهذا مُحالٌ أن يكونَ مركَّبًا من الطَّبائعِ الأربعةِ.

كما زعمَ أهلُ الخلطِ والحلولِ أنَّ ناسوتَ سيِّدنا الْمَسيحِ (ع) كان يحوي نفسًا مثل نفوسِ البشرِ، لكنَّها خالية من الخطيئةِ!! وهذا مُنافٍ للحقيقةِ التي تؤكِّدُ دومًا على خطايا النَّفسِ البشريَّةِ.

ويردُّ منطقُنا العلويُّ على هؤلاء فيرفضُ كلَّ هذهِ الْمَزاعمِ ويؤكِّدُ أنَّ ما رُوي في قصة إشراقِ سيِّدنا الْمَسيحِ (ع) لا يخضعُ لِمَقاييسِ الولادةِ البشريَّةِ، لأنَّهُ ليسَ مولودًا بشريًا ولا ذو جسدٍ مادِّيٍّ كما يرونَهُ إنما هو كما قالَ: (أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ).

وقد أكَّدَتْ سيِّدتنا مريم العذراء (ع) على فكرةِ أنَّ إشراقَ سيِّدنا الْمَسيحِ (ع) ليسَ ولادةً بشريَّةً بقولها للمَلاكِ متسائلةً تعليمًا للسَّالكين: (كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ بشرًا؟)، فأجابَها الْمَلاكُ ليَدُلَّ على أنَّ إشراق سيِّدنا الْمَسيحِ (ع) قدرةٌ ومعجزةٌ ربَّانيَّةٌ بقوله: (اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ فَلِذَلِكَ أَيْضاً الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ).

إنَّ هذهِ البُنوَّةَ التي أشار إليها الْمَلاكُ في كلامِهِ ليسَت بمعنى ابنٍ من أبٍ وفقَ الْمَقاييسِ الجسمانيَّةِ البشريَّةِ، لأنَّهُ أصلاً نورُ العالَمِ، بل البُنوَّةُ هنا دليلُ رفعٍ وتعظيمٍ لِمَقامِ سيِّدنا الْمَسيحِ (ع) عبَّرَ عنه بقوله: (أنا والآبُ واحدٌ، ولكنْ هوَ أعظمُ مِنَ الكلِّ)، فازدادَ بهِ السَّالكونَ معرفةً، وازدادَ بهِ الْمُشبِّهونَ ضلالةً والْمُعطِّلونَ إنكارًا.

فالنَّاسوتُ لم يكن متَّحدًا في اللاَّهوتِ فانفصلَ منه، ولا مُتجسِّدًا مُتَّحدًا فيه، وإلاَّ لكانَ للرَّبِّ تعيُّنٌ محدودٌ منذُ الأزلِ، وسمَةُ هذا التَّعيُّنِ الخاصِّ هي النَّاسوتُ، وهذا مُحالٌ لأنَّ الرَّبَّ تعالَى وَجَلَّ قائمٌ بجوهرِهِ دونَ أيِّ تعيُّنٍ، ولأنَّ الابنَ لم يكنْ متَّحدًا فيه فانفصلَ عنه انفصالَ شيءٍ من شيءٍ.

 

إنَّ الآبَ لا يفتقرُ لشيءٍ ولا يُعجِزُهُ أمرٌ لا في السَّماءِ ولا في الأرضِ، أي أنَّهُ ليسَ عاجزًا أن يُوجِدَ الأشياءَ لا مِن شيءٍ، وقد كانَ إشراقُ سيِّدنا الْمَسيح (ع) حجَّةً على الْمُعطِّلينَ والْمُشبِّهينَ الذينَ يربطونَ الأسبابَ بمُسَبِّبَاتِها، ويعتمدونَ على الْمَحسوسِ أو الْمَعقولِ، ويجعلونَهُ جوهرًا للآبِ، لأنَّهم كمَن يزعمونَ أنَّ الآبَ عاجزٌ عن إيجادِ الأشياءِ لا من شيءٍ، لأنَّهُ بحاجةٍ لِمَادَّةٍ أوليَّةٍ شيئيَّةٍ لكي يصنعَ منها الأشياءَ!! وفي هذا مخالفةٌ للمَنطقِ العلويِّ، فلو كانَ الْمَحسوسُ والْمَعقولُ أزليًّا جوهريًّا للآبِ لَكانَ شريكًا لَهُ، وهذا لا يجوزُ.

كما أنَّ الابنَ يخلقُ الشَّـيءَ من الشَّــيءِ كما خلقَ الطَّـيرَ من الطِّــينِ بمشـيئةِ الآبِ بدليل قوله (ع): (قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي)، ولكنَّ الآبَ هو الذي يُوجِدُ الشَّيءَ لا مِن شَيءٍ كما أوجَدَ النَّبيَّ آدمَ (ع) من غير أبٍ ولا أم، وأوجدَ النَّبيَّ عيسى الْمَسيحَ (ع) من أمٍّ بلا أبٍ، وهذا هو مفهومُ الإيجاد الرَّبَّانيِّ بمعنى إيجادِ الأشياءِ لا مِن شيءٍ، وقد سئلَ الإمام علي (م): من أيِّ شيءٍ خلقَ اللهُ الأشياءَ؟ فقال: (لا مِن شيءٍ).

وهذا الفرقُ بينَ فعلِ الابنِ وفعلِ الآبِ هو الذي يؤكِّدُ عدمَ جوازِ الْمُساواةِ بينهما، ولا القولِ: (إنَّهما جوهرٌ واحدٌ، أو طبيعةٌ من طبيعةٍ)، لأنَّ هذا القولَ هو الخطأُ الصَّريحُ بعينِهِ، وهناكَ آراءٌ عندَ البعضِ كمَن يقول: (إنَّ الآبَ ذو طبيعتَين لاهوتيَّةٌ وناسوتيَّةٌ قبلَ إيجادِ الابنِ، وأنَّ الابنَ مخلوقٌ من هاتينَ الطَّبيعتينِ)، وهذا يعني أنَّ الآبَ مُركَّبٌ في جوهرِهِ، وهذا مُحالٌ في منطِقِنا العلويِّ لأنَّ الآبَ مُنفردٌ عن التَّركيبِ والتَّجسيدِ والحلولِ والاتِّحادِ والتَّشبيهِ والتَّعطيلِ سبحانَهُ، يُلخِّصُ ذلكَ قولُ سيِّدنا الْمَسيحِ (ع): (المجدُ للهِ في العُلا).

 

الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> السيدة مريم والروح القدس في الـمنطق العلوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger