ظهور النبي

0 755

ظهور النبي

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

كيفَ يَنظرُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ لعيدِ الْمَولدِ النَّبويِّ إن لم يُؤمنوا ببَشَرِيَّةِ النَّبيِّ محمَّد (ص)؟

 

إنَّ أحدَ الاختلافاتِ العقائديَّةِ بينَ السُّنَّةِ الحشويَّةِ والشِّيعةِ الْمُقصِّرَةِ والْمُتشيِّعينَ الخَوَنَةِ من جهةٍ وبينَ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ من جهةٍ أخرى هي مسألةُ بشريَّةِ النَّبيِّ محمَّدٍ (ص) وجميعِ الأنبياءِ والْمُرسَـلين (ع)، فَهُم يَنظُرُونَ إلى النَّبيِّ محمَّد (ص) بأنَّه وُلِدَ من أبٍ وأمٍّ واستَقَرَّ في الرَّحمِ وكانَ يأكلُ الطَّعامَ ويَمشي في الأسواقِ، ويَفرحُ ويَحزنُ ويَتَألَّمُ ويَسهو ويَنسى…. إلخ، ولذلك فقد استطاعَ أن يعيشَ آلامَ البشرِ ومشاكِلَهم!! فهل اختلفتْ مقولَتُهم عن مقولةِ الذينَ ذكرهم القرآنُ الكريمُ بقولِهِ: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا)؟

نحنُ نتصدَّى لكلِّ حملاتِ التَّشويهِ والطَّعنِ التي طالَتِ النَّبيَّ (ص) باتِّهامِهِم له بالبشريَّةِ وتَفرِيطِهم بمَقَامِهِ العظيمِ إيمانًا بقولِهِ تعالى: (وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ)، فَمَقامُ سيِّدنا النَّبيِّ هو من أرفعِ الْمَقاماتِ لأنَّهُ أوَّلُ الْمَوجوداتِ بدليلِ قوله (ص): (أوَّلُ ما خلقَ اللهُ نُورِي)، كما وردَ بنفسِ الْمعنى عن سيِّدنا النَّبيِّ الْمسـيحِ (ع) قوله: (والآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ).

ولأنَّنا لا نُفَرِّقُ بينَ نَبيٍّ ونَبيٍّ فَكُلُّهم في نفسِ الْمَقامِ لقوله تعالى: (قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْــلِمُونَ)، فإنَّنا وإن اختلفَتِ الْمَظاهرُ ندركُ أنَّ ما يقعُ على سيِّدنا النَّبيِّ آدم (ع) يَنطبقُ على سيِّدنا النَّبيِّ الْمَسيح (ع) لقوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، فالخَلقُ من ترابٍ هو رمزٌ لِمُمَاثَلِةِ البشرِ لِيَفهموا عنه أَمْرَهُ ونَهْيَهُ ويُبَلِّغَ رسالةَ ربِّهِ، وأمَّا الأمرُ بقولِهِ: (كُنْ) فدليلٌ على أنَّ إيجادَهُ ليسَ كإيجادِ البشرِ، بدليل قولِ سيِّدنا النَّبيِّ الْمَسيح (ع): (قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي)، فالآيةُ والحديثُ يدلاَّنِ على أنَّ فعلَ الْمُماثلةِ البشريَّةِ وقعَ على الأرضِ لا في السَّماءِ، وقد كانَ سيِّدنا النَّبيُّ آدمُ (ع) في السَّماءِ حين أمرَ اللهُ الْملائكةَ بالسُّـجودِ له طاعةً وهم يرونَهُ نُورًا، فأنكرَ إبليس (لع) نورانيَّتَهُ بقوله: (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا)، وهذا دليلٌ على اختلافِ النَّظرةِ للأنبياءِ بين أهلِ الإيمانِ وأهلِ الجحودِ والتَّلبيسِ، ولذلك ربطَ اللهُ طاعةَ الْملائكةِ لهُ بالسُّجودِ لآدمَ كما ربطَ طاعتَهُ بطاعةِ رسولِهِ في قوله: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).

وكما ينطبقُ على آدمَ وعيسـىَ (ع) هذا التَّكوينُ الْمَشِيئيُّ، ينطـبقُ أيضـًا على الإمامِ الحسين علينا سلامُهُ وسـيِّدنا النَّبيِّ محمَّد (ص) القائل: (إنِّي لستُ كأحدِكم، إنِّي أظلُّ عندَ ربِّي)، ولكنَّهم احتجُّوا بقوله تعالى على لسانِ نبيِّهِ: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، فلولا مَاثَلَهم لَمَا فَهِمُوا عنهُ رسالَتَهُ، إلاَّ أنَّه يُوحَى إليهِ، والبشرُ لا يُوحَى لهم، فكيفَ للبشرِ أن يَفهَمُوا لغةَ الوحي النُّورانيِّ!؟ ولو كانَ هذا جائزًا لَمَا توقَّفتِ النُّبوَّةُ عند خاتمِ النَّبيِّين، ولَجَازَ أن نُصَدِّقَ مُدَّعِي النُّبوَّةِ اليوم، وَهُم يَدَّعُون أنَّهُ يُوحَى لهم!!

وقد تساءَل الْمُشركونَ آنذاكَ: لِمَاذا لَمْ يَنزلْ معهُ مَلَكٌ؟ أو لِمَاذا لم يَكُنِ الرَّسولُ مَلَكًا؟ فكانَ الجوابُ الإلهيُّ بقوله: (وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَـيْهِ مَلَـكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَـكًا لَّقُضِـيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَـرُونَ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْـنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْـنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ)، فكيفَ يقعُ الاختبارُ والاصطفاءُ للمؤمنينَ لو كانت الأمورُ واضحةَ الْمَعَالِمِ؟ أو لو كانَ الرَّسولُ بشرًا ومعهُ ملكٌ ظاهرٌ بنُورَانِيَّتِهِ؟ أو لو كانَ النَّبيُّ مَلَكًا فكيفَ سَيفهمونَ عنه؟ إلاَّ أنَّ في الآيةِ إشارةً إلى أنَّه حتَّى لو كانَ مَلَكًا لكانَ سيظهرُ رجلاً تَلبيسًا على الجاحدين.

فالنَّبيُّ الْموجودُ في أوَّلِ التَّكوينِ في قوله (ص): (أوَّلُ ما خلقَ اللهُ نوري)، ليـسَ بشــرًا، بل هو الكلمةُ التي ذكرها سيِّدنا النَّبيُّ الْمســيح (ع) بقوله: (فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ)، وهو لم يُولَدْ ولادةَ الْمَخَاضِ البشريِّ، بل ظهرَ مولودًا لتبليغِ الرِّسالةِ في التَّاسعِ من ربيع الأوَّل.

وإن احتجَّ مُحتَجٌّ فقال: إنَّ سيِّدَتنا مريمَ العذراءَ (ع) وَلَدَتِ سيِّدنا النَّبيَّ الْمسيحَ (ع) بالْمَخاضِ في قوله تعالى: (فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ)، قلنا له: هل مَخاضُ مريمَ كمَخَاضِ البشرِ وقد كانَ الحملُ والولادةُ في ساعةٍ واحدةٍ؟ فسبحانَ القائلِ: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤمِنِينَ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> ظهور النبي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger