قتل النبي موسى للكافر

2 1٬012

قتل النبي موسى للكافر

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

كيف قتلَ النَّبيُّ موسى (ع) رجلاً بغيرِ حقٍّ وهو نبيُّ اللهِ؟

 

وَرَدَتْ شُبهَةُ القتلِ في قوله تعالى: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ).

السُّنَّةُ الحشويَّةُ يعتبرونَ أنَّ الأنبياءَ (ع) معصومونَ عن الكبائرِ، أمَّا الصَّغائرُ فغيرُ معصومينَ عنها، وهنا قالوا: كيفَ يقتلُ النَّبيُّ موسى (ع) نفسًا؟ وبرَّروها بأنَّه قتلَهُ بالخطأ ولا يؤاخَذُ به، وبما أنَّه يُشَرَّعُ الاستغفارُ من الخطأ فإنَّهُ استغفرَ ربَّهُ!!

والشِّيعةُ الْمُقصِّرَةُ اعتبروا أنَّ القتالَ بين القبطيِّ والإسرائيليِّ هو الذي من عملِ الشَّيطانِ، فظلمَ النَّبيُّ موسى (ع) نفسَهُ واختارَ ما لم يكن في مصلحتِهِ فلا يأثمُ بفعلِ القتلِ؟

لابدَّ من القولِ أنَّهُ من حيث ظاهر القصَّـةِ لا تَثريبَ على سـيِّدنا النَّبيِّ موسى (ع) في قتلِ القبطيِّ لسببينِ:

  • الأوَّل: أنَّه تدخَّلَ لنصرةِ مؤمنٍ مُستَضعَفٍ اسْتَغَاثَهُ من يدِ كافرٍ متجبِّرٍ.
  • الثاني: أنَّ سـيِّدَنا النَّبيَّ موسى (ع) لم يقصـدْ قتلَهُ وإنَّما قصـدَ رَدعَهُ فمَاتَ، فلا تَعَمُّدَ ههنا، وبالتالي لا تناقضَ مع عصمتِهِ الشَّريفةِ.

ولعلَّ الإشكالَ نشأ في عقولِ النَّاسِ بسببِ الرِّوايةِ التَّوراتيَّةِ التي تُظهرُ النَّبيَّ موسى (ع) في صورةِ القاتلِ الْمُتعَمِّدِ الْمُترَبِّصِ الذي استطلعَ الأجواءَ ثم أقدَمَ على جريمتِهِ: (وَحَدَثَ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ لَمَّا كَبرَ مُوسَى أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى إِخْوَتِهِ لِيَنْظُرَ فِي أَثْقَالِهِمْ فَرَأَى رَجُلاً مِصْرِيًّا يَضْرِبُ رَجُلاً عِبْرَانِيًّا مِنْ إِخْوَتِهِ فَالْتَفَتَ إِلَى هُنَا وَهُنَاكَ وَرَأَى أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ فَقَتَلَ الْمِصْرِيَّ وَطَمَرَهُ فِي الرَّمْلِ)!!

أمَّا الرِّوايةُ القرآنيَّةُ فلم تقلْ: إنَّ النَّبيَّ موسى (ع) قتلَهُ، كي لا يَشتكلَ الْمَعنى، بل قال تعالى: (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ)، وهذهِ أوَّلُ مرَّةٍ في التَّاريخِ يتمُّ فيها الإشارةُ إلى هذا التَّفريقِ بين القتلِ العمدِ والقتلِ الخطأ، فالقرآنُ العظيمُ هو أوَّلُ مَن فرَّقَ بين هذهِ الحالاتِ، ولم يَسبقْهُ أيُّ نظامٍ قانونيٍّ في العالمِ في بيانِ هذا التَّشريعِ العادلِ، وهذا كلُّه لا يقعُ بالنَّبيِّ موسى (ع) لأنَّه نبيٌّ معصومٌ، ولكنَّ هذا على سبيلِ التَّعليمِ للمؤمنين، لكي ننصرَ إخواننا الْمُؤمنينَ ضِدَّ مَن يُعادِيهم وَيَتعَدَّى عليهم وعلى حُرُماتِهم.

ولأنَّ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ كما قلنا يَتعالى عن الْمَادِّيَّاتِ الْمَحسوساتِ يجب أن نفهمَ أنَّ الْمَدينةَ هي مدينةُ العلمِ والتوحيدِ لقولِ رسولِ الله (ص): (أنا مدينةُ العلمِ وعليٌّ بابُها)، وجاءَ النَّبيُّ موسى (ع) لِيُبلِّغَ أهلَها الغافلينَ عن معرفةِ اللهِ ليهديَهم سواءَ السَّبيلِ، فانقسَموا إلى رَجُلَينِ: الأوَّل آمَن به والآخَر عاداهُ، لكنَّ العدوَّ لن يواجهَ النَّبيَّ لعدمِ استطاعتِهِ لإيذائِهِ، لذلك فإنَّهُ سيواجهُ الْمُؤمنينَ به من أتباعِهِ وهو قتالُهم والتَّعدِّي عليهم كما حدثَ في بداياتِ الدَّعوةِ المحمَّديَّةِ من تعذيبٍ وتنكيلٍ بالْمُؤمنينَ على يَدِ مشركي قريش، فاستغاثوا بالنَّبيِّ (ص) فأغاثَهم بالهجرةِ ونصرَهم ربُّهم بِبَدرٍ، وهكذا استغاثَ الْمُؤمنُ بالنَّبيِّ موسى (ع) فأغاثَهُ بالوكزِ ونصرَهُ بالقضاءِ على عدوِّهِ، حيث جاءَ في الإنجيل: (موسى قتلَ النَّاسَ لِيُبيدَ عبادةَ الأصنامِ ولِيُبقيَ على عبادةِ الإلهِ الحقيقيِّ)، ولهذا قال سيِّدنا النَّبيُّ المسيحُ (ع) لتلاميذِهِ: (كلُّ ما ينطبقُ على كتابِ موسى فهو حقٌّ فاقبَلوهُ).

وعملُ الشَّيطانِ ليسَ هو القتالُ الدَّائرُ بينَهما كما فهمَ الشِّيعةُ الْمُقصِّرَةُ من تأويلِ الأئمَّةِ (ع)، بل هو فِعلُ الكافرِ وقتالُهُ للمؤمنِ، أي عملُهُ لأنَّ الكافرَ بربِّ موسى (ع) هو الشَّيطانُ العدوُّ الْمُضلُّ الْمُبينُ، وفِعلُهُ قتالُ الْمُؤمنِ، لذلك فإنَّ القضاءَ عليه هو وعدُ اللهِ بنصرِ الْمُؤمنينَ على الكافرين وهو القائلُ: (وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).

واســتغفارُهُ إنَّما هو على سبيلِ التَّعليمِ للمؤمنين بالاستغفارِ والإنابةِ، أمَّا الأنبياءُ (ع) فلا يقعُ عليهم الظُّلمُ لذلكَ أردفَ بعدَها بقوله: (رَبِّ بمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ)، وهو التعليمُ أنَّنا يجبُ أن نَثبُتَ على طريقِ الحقِّ مهما كانت عواقبُ الأمورِ، وألاَّ نُهادِنَ أو نُسايرَ أو نَدعمَ الْمُجرمينَ الذينَ يَتطاولون على اللهِ ورسلِهِ وأوليائِهِ وإلاَّ ظَلمْنا أنفسَنا وخَسِرْنا خُسرانًا مبينًا.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> قتل النبي موسى للكافر

2 تعليقات
  1. samer ali يقول

    طيب الله عيشك

    1. admin يقول

      عيشك طيب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger