تنزيه النبي عن السهو والإسهاء

2 732

تنزيه النبي عن السهو والإسهاء

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

هل صحيحٌ ما يُشاع بأنَّ النَّبيَّ محمَّد (ص) سها في صلاتِهِ وغفلَ عنها؟

 

هذا موضوعٌ خلافيٌّ بيننا- كعلويِّين نُصيريِّينَ- وبين كلٍّ من السُّنَّةِ الحشويَّةِ والشِّيعةِ الْمُقصِّرَةِ، وسأوضِّحُ في هذا الجوابِ إن شاءَ الله الفرقَ والْمَوقعَ.

إنَّ مصادرَ السُّـنَّةِ الحشويَّةِ تؤكِّدُ سهو النَّبيِّ (ص)، وتروي أنَّه سَها في صلاتِهِ فلم يَدْرِ كم صَلَّى من ركعةٍ!! وأنَّه كان يُصبـِحُ جُنُبًا في شهرِ رمضانَ فَتَفوتُهُ صلاهُ الفجر!!

أمَّا مصادرُ الشِّيعةِ الْمُقصِّرَةِ فانقسَمَتْ إلى قسمين: قسمٌ قالَ بالسَّهو وقسمٌ قال بالإسهاءِ كنوعٍ من تجميلِ الْمُصطلحِ، وقالوا بأنَّ الغلاةَ يُنكرونَ سهوَ النَّبيِّ وأنَّ هذا لا يُلزِمهم لأنَّ جميعَ ما يقعُ على النَّبيِّ يقعُ على غيرِهِ، وأنَّه يجوزُ أن يَسهو في صَلاتِهِ، ولكنَّ سَهوَهُ ليسَ كسَهوِنا لأنَّه سَهوٌ من اللهِ عزَّ وجلَّ، وإنَّما أسهَاهُ لِيَعلَمَ أنَّه بشرٌ مخلوقٌ!! وأكَّدوا أنَّ نومةَ النَّبيِّ (ص) حتى طُلوعِ الشَّمسِ أمرٌ صحيحٌ لأنَّ اللهَ أنامَهُ عنها!! وأنَّ النَّومَ والسَّهوَ النبويَّ رَحمانيَّان، وأنَّ نومَنا وسهوَنا شَيطانيٌّ!!

إنَّ السَّهو في اللغةِ هو الغفلةُ والذُّهولُ عن الشَّيءِ، وسها في الصَّلاةِ أي نسيَ شيئًا منها، وسَهَا عن الصَّلاةِ أي تركَها ولم يُصَلِّ. أمَّا الإسهاءُ فَفِعلُهُ أسهى أي جعلَهُ يَسهو.

لقد فرَّقوا بين الصَّلاةِ والتَّبليغِ، وأنكروا علينا قولنا: إنَّ مَن يَسهو عن الصَّلاةِ يَسهو عن التَّبليغِ. واعتبروا أنَّ هذا من الغلوِّ، فَدَعُونا نناقشُ هذه الفكرةِ بالذَّاتِ، حتَّى لا نُطيلَ في الإجابةِ.

قال تعالى: (إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا)، فهي أوَّل أركانِ الإسلامِ وأوَّلُ الفرائضِ على كل الْمُسلمين، والنَّبيُّ الْمُرسَلُ هو الأَولى بأن لا يفرِّطَ بهذه الصَّلاةِ أو يَتركَها أو يَغفلَ عن أدائِها مهما كانت الظُّروف، ولو فعلَها النَّبيُّ حقيقةً لصارت سُنَّةً عندَ كل الصَّحابةِ ومَن جاءَ بعدَهم أن يُفرِّطوا بها أو يَغفلوا عنها أُسوةً بالنَّبيِّ، وكان ذلكَ مبرِّرًا للبشرِ أن يَهجروها مع الزَّمن، وهذا لا يجوزُ لأنَّ النَّبيَّ عرَّفَ الصَّلاةَ فقال (ص): (الصَّلاةُ صِلةٌ باللهِ تعالى، مَن داومَ عليها اتَّصلَ ومَن تركَها انفصلَ، وليسَ للعبدِ من صلاتِهِ إلاَّ ما عَقِلَ منها)، فالصِّلةُ بين الرَّسولِ ومُرسِلِهِ قائمةٌ دائمةٌ لا تنقطعُ البتَّةَ، وهو مداومٌ على الصَّلاةِ متَّصلٌ بمُرسِلِهِ لا حلولاً به بل قُربًا منه، ولا يجوزُ أن ينفصلَ عنه بُعدًا، لهذا لا يتركُها أبدًا، فالْمُنفصِلُونَ هم الْمُنكِرونَ الذينَ تَرَكُوا صِلَتَهم وعَبَدُوا شَهواتِهم. وهذا يَدحضُ الشُّبهةَ القائلةَ بغفلتِهِ في الصَّلاة.

ثمَّ أكَّدَ أنّه ليسَ للعبدِ من صَلاتِهِ إلا ما عَقِلَ منها، وهذا يعني أنَّهُ حاضرُ الفكرُ في صَلاتِهِ، خاشعٌ مُتفكِّرٌ مُواصِلٌ، فكيفَ للعبدِ العاقلِ لِصَلاتِهِ أن يسهوَ فيها؟ وإن كان لا يجوزُ هذا للمؤمنِ فكيفَ يجوزُ للنَّبيِّ (ص)؟ وهو الْمُطيعُ الطَّاعةَ الكاملةَ للهِ سبحانَهُ امتثالاً لِمَا ما جاءَ في الحديثِ القدسيِّ الواردِ في كتبِ السُّنَّةِ الحشويَّةِ والشِّيعةِ الْمُقصِّرَةِ على السَّواء أنَّ أوَّلَ ما خلقَ اللهُ العقلَ فقالَ له: أقبـِلْ، فأقبَلَ، ثمَّ قالَ له: أدبـِرْ، فأدبَرَ، فقال سبحانه: (وعِزَّتي وجلالي ما خلقتُ خلقًا أكرمَ عليَّ منك، بكَ آخذُ وبك أعطي، وبك أثيبُ وبكَ أعاقبُ).

من جهةٍ أخرى فإنَّ القرآنَ الكريمَ وبَّخَ ووعدَ بالويلِ مَن يَسهو عن صلاتِهِ في قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ)، فهل ينطبقُ هذا على النَّبيِّ الْمَعصومِ وفق نظريَّةِ أصحابِ السَّهوِ أو الإسهاءِ!؟

إنَّهم جمَّلوا الْمُصطلَحَ بقولِهم: (إسهاءٌ من الله) ليُثبـِتوا بشريَّتَهُ، وبالتالي وقوعَهُ تحت الحالاتِ البشريَّةِ ومنها السَّهو والنِّسيانُ والخطأ، وبالتَّالي يحقُّ لهم التَّشـكيك بالنُّبوَّةِ والرِّسـالةِ، وبما صدرَ عنهُ من تبليغِ الولايةِ، كتشكيكِ أحدِ أصحابِهِ حين طلبَ دواةً ليكتبَ وصيَّتَهُ بالخلافةِ للإمامِ علي (م) حين فقال: (إنَّ محمَّدًا لَيَهجُرُ)، والهَجرُ من ذهاب العقلِ فهل يقعُ هذا على النَّبيِّ؟

إذن: السَّهوُ والإسهاءُ عندنا كعلويِّين نُصيريِّينَ غيرُ جائزانِ على النَّبيِّ الْمَعصوم ذي الْمَقامِ الرَّفيعِ الذي عبَّرَ عنه بقوله (ص): (لي مع اللهِ وقتٌ لا يَسَعني فيه ملكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسَلٌ)، ومَن كان بهذا الْمَقامِ فهو فوقَ الحالاتِ البشريَّةِ على الإطلاقِ، ومنها السَّهو والغفلة والنسيان والعصيان.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> تنزيه النبي عن السهو والإسهاء

2 تعليقات
  1. samer ali يقول

    عليك السلام

    1. admin يقول

      وعليك السلام

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger