تجريد الهيولى

0 488

تجريد الهيولى

بقلم الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

 

عندما نتحدَّثُ عن الهيولى نريدُ إبانةَ ما وردَ إلينا من الكتبِ السَّماويَّةِ والأحاديثِ القدسيَّةِ، وما حَكَمَهُ العقلُ بإمضاءِ وتأييدِ سادةِ الْمَنطقِ العلويِّ.

هنا يقفُ العقلُ عاجزًا عن معرفَةِ الهيولى، معترفًا بقصورِهِ عن أن يتفوَّهَ بأيَّةِ عبارةٍ تتضمَّنُ دعوى كشفِها، فهي خارجةٌ عن التَّوهُّمِ أو عمَّا يخطرُ بالبالِ لأنَّها خلافُهُ، بدليل ما قاله الإمامُ علي (م): (كيفَ يصفُ الخالقَ مَن يعجزُ عن صِفَةِ مخلوقٍ مِثلِهِ).

إنَّ السَّالكَ لا يستطيعُ الإحاطةَ بالهيولى والوقوفَ على كُنهِها، لأنَّ معرفتَها مستحيلةٌ، لكونِ الهيولى لا يُحاطُ بها ولا تُعرَفُ لا في الذِّهنِ ولا في الخارجِ لقولِ الإمامِ علي (م): (الحمدُ للهِ الذي منعَ الأوهامَ أن تنالَهُ، وحجبَ العقولَ أن تتخيَّلَ ذاتَهُ لامتناعِها الشَّبَهَ والتَّشكُّلَ)، فلا يمكنُ لأحدٍ بلوغ تلكَ الْمعرفةِ باكْتِنَاهِ الْمُمْتَنِعِ، إذ إنَّ الْمَعرفةَ مُمكِنَةٌ لسِمَاتِ التَّجلِّي، والاكتناهَ مُحَالٌ للهيولى، وإنَّ بابَ معرفةِ التَّجلي مفتوحٌ، وإذا كانت اكتناهيَّةً فهي مُمْتَنِعَةٌ، فلا يمكنُ أن نقفَ على جوهرها، ولا سبيلَ إلى معرفةِ كنهها وحقيقةِ الإحاطةِ بها حيث قال الإمام علي (م): (لا تُقدِّرْ عظمةَ الخالقِ على قدرِ عقلِكَ فتكونَ من الهالكين).

فالعقولُ عاجزةٌ عن الخوضِ في الهيولى، والألسنُ هي الْمُحتاجةُ إلى الْمَعاني والعباراتِ، فالهيولى لا يَتصوَّرُها عقلٌ ولا يَحدُّها ذهنٌ ولا يَصفُها لسانٌ ولا يَبلغُها قولٌ، وقد جاءَتْ عباراتُ أهلِ الشُّهودِ جليَّةً واضحةً أنَّ معرفةَ الهيولى هي أكثرُ من الْمستحيلِ، وقد قال الإمامُ علي (م): (الـعَـجـزُ عن دَركِ الـدَّراكِ إدرَاكُ… والبحثُ في سرِّ ذاتِ اللهِ إشراكُ).

فالجواهرُ والعقولُ متناهيةٌ عاجزةٌ عن الإحاطةِ والإدراكِ للهيولى، والهيولى غيرُ مَحدودةٍ بحَدٍّ ولا بقيدٍ ولا بشرطٍ، فهي صَمديَّةٌ في فَردانيَّتِها، لا تُدرَكُ ولا تُحاطُ لقولِ الإمامِ علي (م): (لا تَحويهِ الأماكنُ لعظمَتِهِ، ولا تُدرِكُهُ الْمَقاديرُ لجلالتِهِ، مُمتَنِعٌ عن الأوهامِ أن تَكتَنِهَهُ، وعن الأذهانِ أن تُمَثِّلَهُ، وقد يئسَتْ من استنباطِ الإحاطةِ به طَوَامحُ العقولِ، ونضبَتْ عن الإشارةِ إليهِ بالاكتناهِ بحارُ العلومِ)، ولا تُضرَبُ بها الأمثالُ ولا يصلُ إلى معرفَتِها الأنبياءُ ولا الْمَلائكةُ ولا الأولياءُ لقولِ الإمامِ علي (م): (لم يَكُنْ فكانَ، هو كما كانَ، ولا كَينونةَ كان، بلا كيفٍ كان، ليسَ قبلٌ ولا غايةٌ، انقَضَتِ الغاياتُ دونَهُ، فهو غايةُ كلِّ غايةٍ).

وليس هناكَ ألفاظٌ وعباراتٌ يمكنُ أن تحيطَ بالتَّعبيرِ عن الهيولى، لذلكَ قيل: (أعرَفُ السَّالكينَ أشدُّهم تحيُّرًا باللهِ)، لكنْ لا سبيلَ للسَّالكِ في التَّعبيرِ إلا بالكلامِ، لذا كانت أسماءُ الْمُتَجلِّي التي لم تقعْ على غيرِهِ ومنها: الأحد والفرد والصَّمد….

وهذه العباراتُ وأمثالُها تأخذُ بناصيةِ كلِّ سالكٍ إلى الاعترافِ بالعجزِ عن سبرِ هذا الغَورِ، بدليل قول سيِّدنا المسيح (ع): (أعتَرِفُ بكَ إِلَهَنا الأحدَ الذي ليسَ لكَ من بدايةٍ ولا يكونُ لكَ من نهايةٍ، لأنَّكَ برحمَتِكَ أعطيتَ كلَّ الأشياءِ بِدَايَتَها وسَتُعطِي بِعَدلِكَ الكلَّ نهايةً، لا شَبَهَ لكَ، لأنَّكَ بجودِكَ غير المتناهي لستَ عُرضَةً للحركةِ ولا لِعَارِضٍ).

 

الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> تجريد الـهيولى

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger