المنطق العلوي الـمشهود

0 244

المنطق العلوي الـمشهود

بقلم الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

 

نحنُ نضعُ الدَّلائلَ العقليَّةَ لنؤكِّدَ على الحقائقِ والأصولِ، وكلُّ الأدلَّةِ العقليَّةِ عندَنا تدلُّ على صحَّةِ منطقِنا الحقيقيِّ، وكتُبُ منطقِنا تُثبِتُ الْمُستوى الفكريَّ العالي الذي نمتلكُهُ. فمَنطِقُنا العلويُّ هو القاعدةُ الْمَركزيَّةُ في التَّفكيرِ الإيمانيِّ، والتي تصوغُ للسَّالكِ نظرتَهُ العرفانيَّةَ، وتمكِّنُه منَ الارتقاءِ، وتحرِّرُهُ وتُطلِقُ فكرَهُ، لأنَّها تعطي العقلَ مكانةً كبيرةً، وتعترفُ بدورِهِ وتفتحُ أمامَهُ آفاقًا معرفيَّةً واسعةً، وتُطلِقُهُ من أَسرِ دائرةِ التَّشريعِ الضَّيِّقةِ، وتوجِّهُ طاقَتَهُ العرفانيَّةَ للتَّأمُّلِ والاعتبارِ في صُحُفِ الرُّسلِ من خلالِ مفهومِ التَّجلي بدليل قول سيِّدنا المسيح (ع): (طُوبى لأنقياءِ النُّفوسِ لأنَّهم يُعاينونَ اللهَ).

يؤكِّدُ مَنطقُنا العلويُّ إثباتَ مقولةِ التَّجلي الْمُعايَنِ لعالَمَي العقلِ والحسِّ، والفكرةُ الجوهريَّةُ التي يجبُ إيضاحُها هي أنَّ الذينَ يعبدونَ عَدَمًا هم الذينَ نَفَوا التَّجلي أصلاً، فجعَلوا الرَّبَّ كالعدمِ الْمَحْضِ، وخالَفوا الكتبَ السَّماويَّةَ التي جاءتْ بالإثباتِ والإفرادِ، وَنَاقَضُوهُا فَجاؤوا بنفي مَحضٍ دونَ إثباتٍ؛ حيث زعموا أنَّ الْمَطلوبَ هو نفيٌ مُطلَقٌ، وبذلك عَكَسُوا منهجَ الكتبِ السَّماويَّةِ، وأخذوا صِفاتِ السَّلبِ فقط، وأفرَطُوا في ذلكَ إفراطًا، بينما أنكروا منطقَ الإثباتِ.

نحنُ نقولُ للآخرينَ: إنَّ إنكارَ التَّجلي الْمُعايَنِ يُثبـِتُ العدمَ، فكيفَ تَشهدونَ بالوجودِ وأنتم لا تؤمنونَ بالتَّجلي؟ وكيفَ يمكنُ للعبادِ أن يَتَيَقَّنوا أنَّ اللهَ موجودٌ إن لم يَتَجَلَّ لهم؟

فلو لم يَتَجَلَّ ما كانَ كَلَّمَ موسى تَكليمًا، وَتَجلَّى للجبلِ، إلى غير ذلكَ…. فقد أعربَ منطقُنا العلويُّ على الحِرصِ على تأديةِ الرِّسالةِ التزامًا بالواجبِ ورفقًا بأهلِ الاستحقاقِ، وأجمَعوا على معرفةِ الْمُتَجلِّي وأنَّهُ هو الفاعلُ، وأنَّ الْمُتَجلِّي (سَبَقَ الأوْقَاتَ كَوْنُهُ، وَالْعَدَمَ وُجُودُهُ، وَالابْتِدَاءَ أَزَلُهُ) كما قال الإمام علي (م)، وسيجدُ السَّالكُ أنَّ مقالةَ أهلِ الشُّهودِ عندَنا لها نصوصٌ مدعومةٌ بشواهدَ مأثورةٍ عن الأنبياءِ والرُّسلِ.

وبذلكَ يتمكَّنُ شبابُنا من الوقوفِ على البيِّناتِ التي تُقنِعُهم بأنَّ عقيدَتُهم خيرُ العقائدِ، ولابدَّ من الإشارةِ أنَّ مصدَرَهم هو الْمَنطقُ العلويُّ الذي له ارتباطٌ وثيقٌ بالفلسفةِ العرفانيَّةِ.

أَلَم يقلِ السَّيِّدُ أرِسطُو بِثَالوثِ الْمُحرِّكِ والحركةِ والْمُتحرِّكِ، والفاعلِ والفعلِ والْمُنفعلِ؟

إنَّ مِن فلسفَتِنا بموضوعِ التَّجلي أنَّ الْمُتَجلِّي والغايةَ والْمَعلولَ هم اللَّفظاتُ الثُّلاثيَّةُ، وهم الهُدى واليقينُ والصَّوابُ، لذا أصبحَ إنتاجُ أهلِ الشُّهودِ مَصدرًا لا غِنَى عنه، وهم أصحابُ الأمورِ النَّائرةِ والأخبارِ العليا الباهرةِ الْمُتَّفقةِ بالأصلِ والحقائقِ.

ولابدَّ من التَّفريقِ بين السَّلبِ الحقيقيِّ الذي وَرَدَ به النَّصُّ القدسيُّ للإفرادِ من جهةٍ، والسَّلبِ الْمُعَطِّلِ الذي أحدَثَه أصحابُ الإنكارِ من جهةٍ أخرى. فالسَّلبُ الذي هو في الفِكرِ الْمُعطِّلِ يؤدِّي إلى العدمِ الْمَحضِ، والذين لا يعرفونَهُ إلا بالسَّلبِ الْمُعَطِّلِ لم يُثبـِتُوا في الحقيقةِ إلهًا مَوجودًا مَشهودًا.

فالْمعرفةُ ليسَتْ بمعرفةِ السَّلبِ فقط، لأنَّ السَّلبَ لا يُرَادُ للجوهرِ، وإنَّما يُقصَدُ بهِ سلبُ حدودِ الجوهرِ، لذلك تجدُرُ الإشارةُ هنا إلى أنَّ العرفانَ في مَنطِقنا العلويِّ لا يكونُ بالسَّلبِ الْمُنفصلِ ولا بالإثباتِ الْمُنفصل.

 

الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> المنطق العلوي الـمشهود

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger