عمل الدنيا والآخرة

2 765

عمل الدنيا والآخرة

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

يقول أمير المؤمنين الإمام علي (م): (اعمل لدُنياكَ كأنَّكَ تعيشُ أبدًا، واعمَل لآخرتِكَ كأنَّكَ تموتُ غدًا).

 

كثيرٌ من فقهاءِ السُّنَّةِ الحشويَّةِ حاولوا تكذيبَ الحديثِ واعتبارَهُ موضوعًا، ومنهم مَن حاولَ تسطيحَ معناهُ، ففي شرحٍ وردَ لأصحابِ مواقع الفتاوى عند أهلِ السُّنَّةِ لهذا الحديثِ عبَّرَ الْمُفتي بقوله: (السَّعي للدُّنيا لا يُنافي السَّعي للآخرةِ).

وكذلك الشِّيعةُ الْمُقصِّرَةُ حاولوا تضييعَ الحديثِ ما بينَ نسبتِهِ لأميرِ المؤمنين الإمام علي (م) تارةً، والإمامِ الحسنِ علينا سلامُهُ تارةً أخرى، ورسولِ اللهِ (ص) تارةً ثالثةً، وتَطابَقَ شرحهم مع شرحِ السُّنَّةِ الحشويَّةِ له كما وردَ في قولِ أحدِهم: (القيامُ بالأعمالِ سواءَ في عملِ الدُّنيا أم الآخرةِ).

إنَّنا كعلويِّينَ نُصيريِّينَ نؤكِّدُ أنَّ هذا الحديثَ واردٌ نَصــًّا عن الإمام علي (م)، لأنَّ الإعجازَ البلاغيَّ في أقوالِ الإمامِ ليسَ له مثيلٌ في الأقوالِ الواردةِ عن غيرِهِ، فالحديثُ الذي يُروى عن الإمامِ يجمعُ الكثيرَ من الْمَعاني الْمُتضَادَّةِ، ولكنَّها في نفسِ الوقتِ مُتكامِلَةٌ مُتَتَامَّةٌ لِيَتمَّ الْمَقصودُ، وهذا التَّكاملُ والتَّمامُ مرتبطٌ أصلاً بولايةِ الإمامِ علي (م) التي لَولاها ما اكتمَلَ الدِّينُ ولا تَمَّتِ النِّعمةُ في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا).

والحديثُ في مفهومنا العلويِّ النُّصيريِّ لكلامِ أميرِ المؤمنينَ (م) لا يتعلَّقُ بمَتاعِ الحياةِ الدُّنيا وزينتِها، لأنَّ الخطابَ حينَ يُوجَّهُ من أميرِ الْمُؤمنينَ للمؤمنينَ فإنَّهُ يرتقي بأنفسِهم لا بأجسامِهم، ومن الْمَعلومِ أنَّ الأجسادَ تموتُ وتفنى، ولكنَ الأنفسَ الطَّيبةَ تبقى حيَّةً تُرزَقُ من نعيمِ اللهِ، وتَتَغَذَّى بالْمَعارفِ الرَّبَّانيَّةِ حياةً بعدَ حياةٍ ومرحلةً بعدَ مرحلةٍ، فالنَّفسُ هي التي تعيشُ أبدًا، وتَرتقي من مقامٍ إلى مقامٍ في دارِ الدُّنيا، لذا وجبَ العملُ على تَنْقِيَتِها من الشَّوائبِ دائمًا دونَ كللٍ أو مللٍ، وهو الْمَقصود بالعبارةِ الأولى من القول: (اعمل لدُنياكَ كأنَّكَ تعيشُ أبدًا)، فليسَ الْمَقصودُ بالدُّنيا زينتَها ومتاعَها، بل الْمَقصودُ هو الإحساسُ الدَّائمُ بوجوبِ ترقيةِ النَّفسِ لِتُحقِّقَ اكتمالَها، بشرطِ عدمِ الوصولِ إلى حالةٍ من الغرورِ والتَّكبُّرِ من خلالِ الشُّعورِ بأنَّها صارت كاملةً فَيَتَوقَّفَ العملُ على ترقيتِها، فانتبِهْ أيُّها الْمُؤمنُ واحرصْ على تَذليلِ نفسِكَ وتَرويضِها وتَأديبِها، وكأنَّكَ دائمُ الوجودِ هاهنا، وأَشْعِرْ نفسكَ بِنَقصِها كَيْلا تَتراجعَ وتَتكاسلَ في عَمِلَكَ، فاعملْ على تأديبِ نفسِكَ وكأنَّكَ دائمُ الوجودِ في هذه الحياةِ الدُّنيا إلى ما شاءَ الله.

أمَّا العبارةُ الثَّانيةُ: (واعمَل لآخرتِكَ كأنَّكَ تموتُ غدًا) فالْمَقصودُ بها أن تضعَ لنفسِكَ الغايةَ والهدفَ الذي تَصبو إليهِ من خلالِ العملِ لِدُنياكَ لقولِ سيِّدنا النَّبيِّ المسيح (ع): (اطلبوا أوَّلاً ملكوتَ اللهِ وبرَّهُ، وهذه كلُّها تُزادُ لكم)، فتأديبُ النَّفسِ غايتُهُ الارتقاءُ بها مقامًا بعدَ مقامٍ للوصولِ إلى ما بعدَ الْمَقامِ الأخيرِ وهو الرَّوحُ الْمُعبَّرُ عنها بالآخرةِ بدليلِ قولِ الإمامِ الصادق علينا سلامُهُ: (الرُّوحُ مثالُ الشَّمسِ مركوزةٌ في السَّماءِ وشعاعُها في الدُّنيا؛ وهو النَّفس)، وقد جاءَ عن أهلِ الفلسفةِ أنَّهم قالوا: (اعلم أنَّ النَّفسَ ما دامَتْ مُظلِمَةً بالشَّهواتِ والْمَعاصي، مَحجوبةً عن إشراقِ نورِ العقلِ، سُمِّيت نفسًا، وإذا اطْمَأنَّتْ سُمِّيَتْ رُوحًا)، فالعملُ للآخرةِ هو توجيهٌ للنَّفسِ، والتَّفكيرُ في كلِّ لحظةٍ بأنَّ الْمُؤمنَ من خلالِ عملِهِ لابدَّ أن يصلَ للغايةِ بدليلِ قولِ الإمامِ الصادق علينا سلامُهُ: (ما مِن أحدٍ يَنامُ إلاَّ عَرَجَتْ نفسُهُ إلى السَّماءِ)، ولذلك عبَّرَ (م) عن ذلكَ بقوله: (كأنَّكَ تموتُ غدًا).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> عمل الدنيا والآخرة

2 تعليقات
  1. حسام الدين معطي يقول

    طيب الله عيشك دكتور احمد

    1. admin يقول

      عيشك طيب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger