منطق العرفان العلوي

0 256

منطق العرفان العلوي

بقلم الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

 

أَيَّةُ نعمَةٍ أَعظَمُ مِن نعمةِ مَعرِفَةِ منطقِ العرفانِ الرَّبَّانيِّ، فمَن عُمِيَ عن هذه الْمَعرفةِ فهو أعمى عَنِ الحَقَائِقِ الْمَوجُودَةِ، وَقَد عَلِمَ ذَوُو الأَلبَابِ أَنَّ الاستِدلالَ عَلَى الحقائقِ لاَ يَكُونُ بمعرفةِ الشَّرائعِ، فَمَن كَانَ في الشَّرائعِ غارقًا فَهُوَ عن الحقائقِ أَعمَى. وَمَن ارتقى بالعلمِ إلى درجاتِ الْمَعرفةِ الإلهيَّةِ وعرفانِها، واستقرأَ منطقَ الوجودِ أعلاهُ وأدناهُ، ولم يُداخِلْهُ شَكٌّ فيما وَعَاهُ، كانَ من الذينَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، لأنَّ العقلَ هو الدَّليلُ الأكبرُ، وَمِنْ عندِهِ يكونُ الوصولُ إلى معرفةِ تجلِّياتِ الفاعلِ من دونِ الحُلولِ في كونِ مُبتَدَعاتِهِ، ولكنَّ الرَّبَّ الذي عَزَّ عن أن تُحيطَ بهِ مصنوعاتُهُ، يُبدي من لُطفِهِ وَرَحمتِهِ وَعَدْلِهِ ما يُفهِمَ أمرَهُ ونهيَهُ وإرادتَهُ، لأنَّ كلاًّ من الجواهرِ العقليَّةِ والحسيَّةِ يشهَدُ لِتَجلِّي الحقِّ، وذلكَ ما اقتضَتهُ الحكمةُ الإلهيَّةُ من الإيجادِ أوَّلاً والتَّجلِّي لاحقًا، فالْمَعرِفَةُ لَن تَكونَ تامَّةً إلاَّ بِمَعرِفَةِ التَّجلِّي وإثباتِ أنَّهُ تَجَلَّى رحمةً للسَّالكينَ وحجَّةً على الْمُنكِرين.

أمَّا التَّوهمُ فهو الظَّنُّ ولَهُ نوعانِ: أوَّلهما حلولٌ يقودُ للشِّركِ، والثَّاني تعطيلٌ يقودُ للكفرِ. فالتَّوهُّمَ عندَ الآخرينَ هو عندما توهَّموا أنَّ الفعلَ حقيقةٌ وجوهرٌ للهَيُولى، والهَيُولى من جِنْسِ الأفعالِ، وهذا مُخالفٌ لقولِ مُعَلِّمِنَا الأوَّلِ أرسططاليس: (ما يُمكِنُ مَعرفَتُهُ هو الفعل لا الهَيولى، فالهَيُولى هي التي تَقبَلُ لَبْسَ الأفعالِ وخَلْعَهَا)، لأنَّ هذا التَّوهُّمَ يعني تحديدَ جَوهرِ الهَيولى بالفعلِ، وهذا لا يجوزُ لأنَّ الأفعالَ ليسَتْ هي من لَوَازِمِ الهَيولى، فالأفعالُ تَتَبَدَّلُ ولكنَّ الهيولى لا تَتَبَدَّلُ.

كذلكَ التَّوهُّمُ عند الآخرينَ هو عندما نَفَوا وجودَ الهَيولى، فلم تَعُدِ الأفعالُ عندَهم دليلاً على الهَيولى بل دَليلاً على العَدَميَّةِ، وكأنَّ الهَيولى مَعدومةٌ، فَعُرِفَتِ الأفعالُ وأُنكِرَتِ الهَيولى.

فَتَعطيلُ الهيولى أو تَشبيهُها خطيرٌ، ولكنَّ الصِّراطَ الْمُستقيمَ يقومُ على التَّجريدِ الذي يَعني نفيَ السِّماتِ الْمَحسوسةِ والأفعالِ الْمَعقولةِ بعدَ إثباتِ التَّجلِّياتِ. وَمِن هنا كانَت فلسفةُ الْمَنطقِ العلويِّ تتلخَّصُ بأنَّ الحقَّ هو في قولِ سيِّدنا الْمسيحِ (ع): (السَّمواتُ والأرضُ تَزولُ، والكلمةُ من كلامِ النَّاموسِ لا تَزولُ).

 

الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> منطق العرفان العلوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger