علوم علوية

الانفعالية في الحوار الديني

الانفعالية في الحوار الديني

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

لعل من أبرز المشكلات التي يعاني منها شبابنا هي مشكلة الانفعال والتهور بالحكم في الأمور الدينية، ومن الطبيعي أن تؤثر هذه الظاهرة سلبا في رؤيتهم للواقع والأشياء والأشخاص، فيفقدون وضوح الرؤية، وتختلط الصورة الحقيقية في عيونهم بصور زائفة، وترتبك خطواتهم، لأن الانفعال يغرق شخصيتهم في أجواء ضبابية غارقة بالسحر والإغراء، لأنه يتعامل مع العاطفة، ولا يتعامل مع الفكر، ما يجعل للتسرع دورا كبيرا فيما يصدره الشاب من حكم، وفيما يخلفه من انطباع، وفيما يتجه إليه من غايات، وبذلك يفقد الحكم حيثياته الهادئة المتزنة، ويغيب التركيز.

وأبرز نتائج الانفعالية السلبية هي العصبية القبلية والعشائرية، فصانعو الفتن عبر التاريخ كانوا يستغلون عواطف الناس وجهلهم بالأمور، ويحرضونهم عن طريق استثارة العواطف وسحرهم بفتنة ما لينجروا وراء صاحب الفتنة بعماء مطلق.

فلنتفكر قليلا: لو تخلص أعداء أهل بيت رسول الله (ص) من انفعالهم لأقسطوا الموازين وعرفوا أنهم الأجل درجة والأقرب منزلة لسيدنا النبي محمد (ص)، ولما التبس عليهم التاريخ الإسلامي الحافل بالخيانات والمؤامرات، فلا تجد حينها أحدا منهم يكفرنا لأنه أعمل فكره ووعيه ولم ينجر وراء الفتوى الداعية لقتل كل بريء، ولكن الانفعالية والعصبية أودت بقسم كبير منهم للحاق بركب مشايخ التكفير المجرمين، وحدث ما حدث في سورية والعالم العربي.

ولو تخلص المتشددون في التزين بحب أهل بيت رسول الله (ص) من انفعالهم، لما رأيناهم يمتهنون السباب والشتائم لصحابة سيدنا رسول الله (ص)، لأن الشتم والسب يؤجج النيران والعداوات، ولهذا نجد العراق مشتعلا وسيبقى مشتعلا إلى الأبد بسبب الانفعالية في التعاطي مع الواقع الحياتي، وقد قال أمير المؤمنين الإمام علي (م): (إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم لكان أصوب). لكنهم لا يلتزمون قول الإمام الذي يتزينون بالانتماء لنهجه، وهذا يؤكد انحرافهم عن النهج الإمامي والتحاقهم بمذاهب شيوخ العمائم المتخالفين أصلا، الذين لكل منهم مشروعه الخاص في نشر الدعوة، فإذا وقفت في طريقهم انفعلوا وقاموا بشتمك وسبك وتكفيرك ووصفك بالغلو وترك الشريعة وإباحة المحرمات و…..!

واليوم يشوب مجتمعنا بعض الانفعاليين الذين يصطادهم بعض الظلاميين المنافقين الذين يسعون لنشر بدعهم وفتنهم في صفوف الإخوة، فتراهم يشتمون العلماء المحققين، ويحاولون النيل من سمعتهم ومن سمعة من انتهج نهجهم ودافع عن فكرهم، ويقذفونهم بما ليس فيهم مع أن سيدنا رسول الله محمد (ص) حذر من ذلك في وصية لأبي ذر الغفاري (ع) حين قال: (يا أبا ذر، إياك والغيبة، فإن الغيبة أشد من الزنى. يا أبا ذر، سباب المؤمن فسوق وقتله كفر وأكل لحمه من معاصي الله، وحرمة ماله كحرمة دمه)، فقال: وما الغيبة يا رسول الله؟ قال (ص): (ذكرك أخاك بما يكره)، فقال: وإن كان فيه ذاك الذي يذكر به؟ فقال (ص): (إن ذكرته بما هو فيه فقد اغتبته، وإن ذكرته بما ليس فيه فقد بهته). كما ورد عن أمير المؤمنين الإمام علي (م) أنه قال لأحد أصحابه: (اجتنب الغيبة فإنها إدام كلاب النار، كذب من زعم أنه ابن من حلال وهو يأكل لحوم إخوانه بالغيبة).

وكم نتعرض اليوم لهذا البهتان من الحاقدين المنافقين المتطاولين على أدب الأئمة المعصومين، فنجدهم يسبوننا ويلعنوننا ويفترون علينا ويهددوننا لأننا نقف في مواجهة من يريد أن يغتصب نهجنا المعصوم، ونتمسك بعروة أمير المؤمنين الإمام علي (م) الوثقى التي قال تعالى فيها: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور)، ونسلك سبيل العلماء المحققين في دحض الشبهات والأباطيل، فبماذا إذا يختلف هؤلاء المفترون عن سنة التكفيريين؟ ألا تليق بهم مقولة سيدنا النبي عيسى المسيح (ع): (يا أولاد الأفاعي، كيف تقدرون أن تتكلموا بالصالحات وأنتم أشرار؟ فإنه من فضلة القلب يتكلم الفم)؟

هم وأولئك صنف واحد يهمه إرضاء شيطانه، فالحذر كل الحذر يا إخوتي من أهل الظلمات الفكرية المفتنة المقززة، فالظلمات الفكرية سادت علينا في العصور السابقة، ونحن اليوم في زمن حان للظلمات الفكرية فيه أن تنقشع، وللنور أن يملأ الأرجاء بالعلم الراقي والانفتاح الصافي، لنفهم أن عبارة (أنا أو لا أحد) باطلة، وأن علينا أن نتعايش باحترام، ونقبل بوجود بعضنا على اختلافاتنا، وأن نتحادث ونتناقش ونتبادل أفكارنا دون تعصب أو غباء مقرون بالشتم لبعضنا والسب واختلاق القصص والأكاذيب.

وكم أتحسس اليوم العقاب الإلهي على هذه الأرض نتيجة الجهل والعمى والمخالفات المتراكمة والمحاربة الشرسة لأهل الحق، والتي بدأت بجريمة قابيل الأولى، ومرت بمحاربة الأنبياء كلهم، وبالعداوة لأمير المؤمنين الإمام علي (م) وأهل البيت المعصومين (علينا سلامهم)، ووصلت إلى امتهان سمعة أصحابهم المقربين وأتباعهم الميامين، فاتهموهم بادعاء النبوة والغلو، وطعنوا بأخلاقهم وأنسابهم، وحاربوا كل عالم من علمائنا حتى وصلوا اليوم ليتهمونا التهم نفسها لأن أسلوبهم القذر واحد وطريقتهم الدنيئة واحدة في المكر والتلبيس واستنهاض المشاعر الانفعالية عند الأغلبية اللاعقلانية، ولكن النتيجة في النهاية كما قال تعالى: (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

الانفعالية في الحوار الديني

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى