التجسيم والتحديد

2 1٬159

التجسيم والتحديد

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

كيفَ نَرُدُّ على الذين يَزعمونَ أنَّ كلَّ ما يقومُ به العلويُّونَ النُّصيريُّونَ هو تَكييفُ الحقائقِ الإسلاميَّةِ مع التَّجسيمِ والتَّحديدِ؟

 

إنَّ كلَّ الحملاتِ التي طالَتْ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ الخصيبيَّ من قِبَلِ السُّنَّةِ النَّاصِبَةِ والشِّيعةِ الْمُقصِّرَةِ والْمُتشيِّعينَ الخَوَنَةِ كانَ سببُها التَّوحيدُ الحَقيقيُّ الذي ارتكزَتْ عليهِ عقيدَتُنا الحَقَّةُ، ورُدُودُ سادَتِنا العظماءِ كسيِّدِنا أبي شعيب محمَّد ابن نُصَير (ع) وسيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبيِّ (ع) على أهلِ التَّجسيمِ والتَّشبيهِ والتَّعطيلِ والإنكارِ، فَمَا كانَ من أولئكَ الْمُشَبِّهين والْمُعطِّلين إلاَّ اتِّهامَنا بما ليسَ فينا.

فالسُّــنَّةُ النَّاصِــبَةُ والشِّــيعةُ الْمُـقصِّــرَةُ والْمُتشــيِّعونَ الخَوَنَةُ لا يَبحثونُ ولا يُمحِّصونَ في كُتُبِ سادَتِهم، ويَنسِبُونَ لنا التَّجسيمَ دونَ تَدقيقٍ في أنَّ التَّجسيمَ والتَّحديدَ لذاتِ اللهِ في كُتُبـِهِم قائمٌ، وسأعرضُ ما جاءَ فيها، وما هي الرُّدودُ العلميَّةُ عليها.

لا تَخلو كتبُ من يُطلَقُ عليه لقبُ (شيخ الإسلام ابن تيميَّة) مِن تَجسيمِ الإلهِ عزَّ شأنُهُ، فمِن ذلك قولُهُ الْمَشبوهُ: (إنَّ اللهَ يجلسُ على العرشِ، وقد أخلى مكانًا يَقعدُ فيه معهُ رسولُ اللهِ!!)، وقولُهُ الْمَشبوهُ في كتابِ (مجموعِ الفتاوى): (إنَّ محمَّدًا يُجلِسُهُ ربُّهُ على العرشِ معهُ!!)، وقولُهُ الْمَشبوهُ في نفسِ الكتابِ: (إذا جلسَ اللهُ على الكرسيِّ سُمِعَ له أطيطٌ كأطيطِ الرَّحلِ الجديدِ!!)، وكأنَّ اللهَ ملكٌ جالسٌ على السَّريرِ في مكانٍ مرتفعٍ ينظرُ إلى العالمِ تحتَهُ!! وكأنَّه جسمٌ كبيرٌ لَهُ ثقلٌ على العرشِ وهو يَئِطُّ كما يَئِطُّ الرَّحلُ حينما يجلسُ عليه الإنسانُ الثَّقيلُ!! مؤكِّدًا هذه الفكرةَ في كتابِهِ (تلبِيس الجهمية) بقولِهِ الْمَشبوهِ: (إنَّ اللهَ على العرشِ والْمَلائكةُ حَمَلَةُ العرشِ تَشعُرُ بثِقَلِ الجَبَّارِ!!)، وهو يَستندُ في مقولتِهِ الْمَشبوهةِ إلى حديثٍ منسوبٍ زورًا لرسولِ اللهِ (ص) وردَ في سُنَنِ أبي داود وغيرها.

وتابعَ تلميذُهُ ابنُ القيِّمِ الجوزيَّة على مَسلَكِه الْمُنحرفِ بقولهِ الْمَشبوه في كتاب (بدائع الفوائد): (إن اللهَ يُجْلِسُ رسولَهُ معهُ على العرشِ.. ولا تُنكِرُوا أنَّهُ قاعدٌ ولا تُنكِرُوا أنه يُقعِدُهُ!!)، كما وردَ في كتابِ (طبقاتِ الحنابلةِ): (واللهُ عزَّ وَجَلَّ على العرشِ، والكرسيُّ موضِعُ قدميهِ).

ويؤكِّدُ ابنُ تيميَّةَ على تجسيمِ إلهِهِ بقولِهِ الْمَشبوهِ: (إنَّ النَّبيَّ يذكرُ أنَّهُ رأى ربَّهُ في صورةِ شابٍّ مُوفرٍ رِجلاهُ في خضرٍ علَيه نَعْلانِ مِن ذهب على وجْهِهِ فراشٌ مِن ذهَب) في إشارةٍ إلى يزيد بن معاوية (لع)، لأنَّ مغازلاتِهِ ومحاباتِهِ للفرقةِ اليزيديَّةِ الْمُغالِيَةِ بيزيد وعدَيِّ بنِ مُسَافِر تؤكِّدُ ذلكَ في مقدِّمةِ كتابهِ (الوصيَّة الكبرى).

وحتَّى يُثبـِتَ ابنُ تيميَّةَ شُــبهةَ التَّجســيمِ زعمَ قائلاً: (ليسَ في كتابِ اللهِ ولا سـنَّةِ رسولِهِ ولا قولِ أحدٍ من سَلَفِ الأمَّةِ وأئمَّتِها أنَّه ليسَ بجسمٍ وأنَّ صِفَاتِهِ ليست أجسامًا وأعراضًا!!)، وزعمَ أنَّ آياتِ التَّنزيهِ كقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) وقوله: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا): (لا تدلُّ على نفي الصِّفاتِ بوجهٍ من الوجوهِ ولا على نَفي ما يُسمِّيهِ أهلُ الاصطلاحِ جِسمًا بوجهٍ من الوجوهِ!!).

ولا غرابةَ في أنَّ الشِّيعةَ الْمُقصِّرَةَ لا تَخلو كُتُبُهم من التَّجسيم أيضًا، فها هو مَن لُقِّبَ (حجَّةَ الإسلامِ ميرزا محمَّد تقي) يقول: (إنَّ اللهَ تعالى يَزورُ الحسينَ ويُصافِحُهُ ويقعدُ معهُ على سريرٍ!!)، ويقولُ في موضعٍ آخر: (يَزورُهم الرَّبُّ تعالى ويُصافِحُهم ويَقعدونَ معه على سريرٍ واحدٍ لاتِّحَادِ حُكْمِ العبوديَّةِ مع حُكْمِ الرُّبوبيَّةِ!!).

كما وردَ عن الْمُلَقَّبِ (صدر الْمُتألِّهينَ محمَّد بن إبراهيم صدرِ الدِّين الشِّيرازي) قولَهُ الْمَشبوهَ في تفسيرِ القرآن الكريم: (النَّارُ لا تزالُ متألِّمَةً لِمَا فيها من النَّقصِ وعدمِ الامتلاءِ حتَّى يَضَعَ الجَبَّارُ قَدَمَهُ فيها، وهي إحدى تينكَ القدمَين الْمَذكورَتَين في الكرسيِّ!!)، يوافِقُهُ الطباطبائي في (تفسيرِ الْمِيزان) بقولِهِ: (إنَّ اللهَ وَضَعَ القدمَ على النَّارِ)، مُستندينَ إلى حديثٍ منسوبٍ زورًا لرسولِ اللهِ (ص) في دَرَرِ السُّيوطي.

إنَّ شُبهةَ التَّجسيمِ التي وقعَ فيها أهلُ الغلوِّ هؤلاء قد حذَّرَ منها الإمامُ الصَّادقُ علينا سلامُهُ بقوله: (إنَّ الغُلاةَ شَرُّ خَلقِ اللهِ، يُصَغِّرونَ عظمةَ اللهِ)، ومن هنا انطلقَ سيِّدنا الخصيبيُّ (ع) في مواجهةِ شُبهَةِ التَّجسيمِ حينَ أكَّدَ على تَجريدِ اللهِ تعالى عن التَّجسيم والعِلَلِ بقوله:

وَلا تَجَسَّـــمَ في جِســمٍ أحاطَ بـِهِ

جَلَّ المُهَيمِنُ عَن تَحديدِ ذي حَدَدِ

فمَن زَعَمَ أنَّ اللهَ حَلَّ بجِسمٍ فقد حَدَّهُ وَبَعَّضَهُ، وَمَن زَعَمَ أنَّه بذاتِهِ ماهيَّةٌ أو جسمٌ أو جسدٌ فقد شَبَّهَهُ بخلقهِ، كما قال تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، بدليلِ قولِ أمير المؤمنين الإمام علي (م): (لا تَقَعُ الأوهامُ لهُ على صفَةٍ، ولا تُعْقَدُ القُلوبُ منهُ على كيفيَّةٍ، ولا تَنَالُهُ التَّجزئةُ والتَّبعيضُ).

فالتَّجلِّي في نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ يعني أنَّ الوجودَ مبنيٌّ على الْمَعرفةِ الْمَشـهودةِ للحقِّ، لأنَّ معرفةَ الآياتِ البيِّناتِ بدايةُ طريقِ العبادةِ لقولِ أمير المؤمنين الإمام علي (م): (أوَّلُ الدِّينِ معرفَتُهُ)، لكنَّ هذا لا يَعني التَّجسيمَ، لأنَّ التَّجسيمَ يَقتضي الحلولَ والجنسَ، واللهُ تعالى لا جِسْمَ له لِتَتركَّبَ عنه الأجسامُ الْمُمكِنَةُ لقول أمير المؤمنين الإمامِ علي (م): (لطيفٌ لا بتَجَسُّمٍ، موجودٌ لا بَعدَ عَدَمٍ)، كما أنَّهُ تعالى لا يمكنُ أن يكونَ جسمًا لقول الإمام الصَّادق علينا سلامُهُ: (إنَّ الجسمَ مَحدودٌ مُتَنَاهٍ، وهو مُجَسِّمُ الأجسامِ).

 

إنَّ الْمُجسِّمَ ابن تيميَّةَ لم يكنْ لِيَحْتَمِلَ أحاديثَ أهلِ العصمةِ (ع) في إفرادِ الباري تعالى عن التَّجسيمِ، فسقطَ وأسقطَ مَن تَبـِعَهُ من السُّنَّةِ بالتَّحديدِ والتَّشبيهِ حينَ جعلَ اللهَ خاضعًا للحدِّ الْمَكانيِّ بقولِهِ الْمَشبوهِ: (الباري سبحانَهُ وتعالى فوقَ العالمِ فوقيَّةً حقيقيَّةً وليست فوقيَّةَ الرُّتبةِ!!)، ولم يَختلفْ هذا عن اشتباهِ الشيعةِ الْمُقصِّرَةِ في كتاب (الأصول الستة عشر) حيث تَدَاوَلوا روايةً مزوَّرةً تقولُ: (إنَّ اللهَ ينزلُ في يومِ عرفةَ في أوَّلِ الزَّوالِ إلى الأرضِ على جَمَلٍ أفرَقٍ يُصَالُ بِفَخديهِ أهلَ عرفاتَ يمينًا وشمالاً!!)، فهذه الأقوالُ فيها تحديدٌ للهِ تعالى وإيقاعٌ له تحت الحدِّ والتَّشبيهِ، وهذا واقعٌ في مزاعمِ ابن تيميَّةَ في قوله في كتابه (التَّأسيس في ردِّ أساسِ التَّقديس): (قُلتُم: ليسَ هو بجســمٍ ولا جوهرٍ، ولا مُتَحيَّزٍ، ولا في جهةٍ، ولا يُشـارُ إليه بِحِسٍّ، ولا يتميَّزُ منه شـيءٌ من شـيءٍ، وعبَّرتُم عن ذلكَ بأنَّهُ تَعَالى ليسَ بمُنقَسِمٍ ولا مُركَّبٍ، وأنَّه لا حدَّ له ولا غايةَ، تريدونَ بذلكَ أنَّه يَمتنِعُ عليهِ أن يكونَ لَهُ حَدٌّ وقَدْرٌ، أو يكونَ له قَدْرٌ لا يَتَناهَى… فكيفَ سَاغَ هذا النَّفي بلا كتابٍ ولا سُنَّةٍ!!). وقد حذَّرَ سيِّدنا الخصيبيُّ (ع) مِن شِركِ التَّحديدِ حين قال:

وَلا هُـوَ الشَّــيءُ مَحدودًا يُحَـدُّ وَلا

لا شَيءَ كانَ فَيُنفى نَفيَ ذي جَحدِ

مُستَنِدًا لقولِ أميرِ المؤمنين الإمامِ علي (م): (لا يُشْــمَلُ بحَدٍّ، ولا يُحْسَبُ بعَدٍّ، وإنَّما تَحُدُّ الأدواتُ أنفُسَها، وتشيرُ الآلاتُ إلى نظائرِها)، وقوله: (لا يُدرِكُـهُ بُعْدُ الهِمَمِ، ولا ينالُهُ غوصُ الفِطَنِ، الذي ليس له حَدٌّ مَحدودٌ، ولا نَعتٌ مَوجودٌ، ولا وَقتٌ مَعدودٌ، ولا أجَلٌ مَمدودٌ، فَمَن وَصَفَ اللهَ ســــبحانَهُ فقد قَرَنَهُ، ومَن قَرَنَهُ فقد ثَـنَّاهُ، ومَن ثَـنَّاهُ فقد جَزَّأهُ)، ولو كانَ مَحدودًا لكانَ جِسْـمًا، ولا يَجوزُ أن يكونَ الباري جسمًا وإلاَّ كانَ شبيهًا بالخلقِ وهذا مُحالٌ.

 

والخلاصةُ:

إنَّ مَن ذكـرَ ذاتَ اللهِ بالتَّحديدِ فقد مَرَقَ من الدِّينِ، لأنَّ ذاتَ الباري تعالى لا يَليقُ بِها شيءٌ من الْمَعقولاتِ ولا الْمَحسوساتِ، لقولِ الإمامِ الصَّادقِ علينا سلامُهُ: (إنَّ اللهَ لا يُشبـِهُ شَيئًا ولا يُشبهُهُ شَيءٌ)، فهو إذنْ معروفٌ قبلَ الحدودِ، لا حَدَّ لِذَاتِهِ، ولا شــيءَ أكبرُ منهُ فَيَسـتُرُهُ، ولا شــبيهَ له ولا نظيرَ ولا ضِدَّ ولا نِدَّ، وهذا هو ميزانُ التَّوحيدِ الخصيبيِّ الذي ثَقُلَ على الْمُجَسِّـمينَ الْمُتلبِّسـينَ بلباسِ الإسلامِ، فَحَاولوا التَّمويهَ على أنفسِهم ورَمْيَنا بالتُّهمةِ، ولكنَّهم لن يَنالوا مُرادَهم لأنَّ كلامَ الحقِّ الْمُنيرَ لا تُطفِئُهُ ظلمةُ الظَّالِمينَ مهما جارَ الزَّمانُ، لقوله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> التجسـيم والتحديد

2 تعليقات
  1. حسام سلامة يقول

    بارك الله بك وزادك علما ومعرفة

    1. admin يقول

      بارك الله بك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger