عاشوراء وانتصار العقل

0 305

عاشوراء وانتصار العقل

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

الحَمْدُ للهِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِـهِ، وبِمُـحْـدَثِ خَـلْقِـهِ عَلَى أَزَلِـيَّـتِهِ، لا ابْتِدَاءَ لأَوَّلِيَّتِهِ، ولا انْقِضَاءَ لأَزَلِيَّتِه، الذي ما شَاء فَعلَ، الأحدُ في أزلِهِ، جلَّ عن الشَّبيهِ والنَّظيرِ والتَّحديدِ والتَّجسيدِ.

قال سيدنا النَّبيُّ عيسى المسيح (ع): (الحقَّ أقولُ لكُم: لو كان للعالَمِ عقلٌ سليمٌ لم يجمَع أحدٌ شيئًا لنفسِهِ)، كما قال (ع): (فَبَعدَ أن خلقَ اللهُ الإنسانَ هكذا وضعَ فيه نورًا يُسمَّى “العَقل” لِيُوَحِّدَ الجَسدَ والحِسَّ والنَّفسَ لِمَقصَدٍ واحدٍ هو العملُ لخدمةِ اللهِ).

إن العقلَ الحُسينيَّ الذي جاهدَ وانتصَرَ في كربلاء هو المنارةُ التي رُفِعَتْ لتكُونَ منارةَ هدايةٍ لاتِّباعِ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م)، وهذا العقلُ جعلهُ اللهُ ميزانًا بين العالَمِ لِيَتميَّزَ به العاقلُ منهم عن الجاهلِ، والْمُوحَّدُ عن الْمُشبِّهُ والْمُشركِ.

وكان اللهُ جلَّ ثناؤهُ قد فَضَّلَهُ وقرَنَهُ بنفسِهِ وعزَّتهِ وأعلى أهلَهُ الذين هُم أهلُ الْميزةِ والاستقامةِ فلذلكَ حَباهُم اللهُ تعالى بكرمِهِ بقولهِ لرسولهِ في مُحكمِ تنزيلِهِ: (وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ)، وكان الأئمةُ علينا سلامُهُم قد زَكَّوهُ بقَولِهم: (مَن أعطاهُ اللهُ العقلَ فأيُّ شيءٍ حَرَمَهُ).

فالعقلُ الحُسينيُّ كان في كربلاءَ هو الفيصلُ بين الحقِّ والباطلِ، بين الولايةِ الْمُطلَقَةِ لأميرِ المُؤمنين الإمام علي (م) وبين ولايةِ بني أميَّةَ الخارجةِ عن حدودِ اللهِ، ذلك العقلُ النَّـيِّرُ الذي رفضَ الاستكانةَ لِقِوَى الشِّركِ والتَّشبيهِ، فهو بمقدارِ ما زَلْزَلَ أركانَ شِركِ بني أُميَّةَ، كذلك زلزلَ أركانَ شِركِ الذين وَعَدُوهُ وعَاهَدُوهُ على الجهادِ ثم نَكَثُوا وخَذَلُوا وارْتَدُّوا، وتَرى أشياعَهُم اليوم يَبكُونَ ويَتَحَسَّرونَ على ما فاتَ عَقلَهُم.

وأمَّا العِبَادُ الْمُؤمنون العلويُّونَ النُّصيريُّون فقد آمَنوا بنورانيَّةِ وعصمةِ هذا العقلِ واتَّخذُوهُ سببًا ليُوصِلَهم إلى معرفةِ اللهِ حقَّ معرفتِهِ، فالعقلُ هو الحاملُ للصُّورةِ، والصُّورَةُ مُتحرِّكَةٌ بالعقلِ، وقوَّتُهُ في القلبِ، وحُكمُهُ في سائرِ الجوارحِ والحواسِّ.

وبوجودِ العقلِ يَجدُ واجِدُهُ معرفةَ رَبِّهِ، فقد سُئِل الإمام جعفر الصّادق علينا سلامه عن العقلِ وما هو فقالَ: (العقلُ ما عُبِدَ به الرَّحمنُ واكتُسِبَتْ به الجنانُ)، فقال له السَّائل: فالذي كان في معاوية؟ قال: (هو الْمكرُ والشَّيطنةُ، وهو يُشبهُ العقلَ وليسَ بهِ). فمَن فتحَ بالفكرِ قُفلَ قلبِهِ ليُضيءُ ذلكَ العقلُ فيه، وطَهَّرَ حواسَّهُ ليُشرِقَ ذلكَ العقلُ عليها كان عاقلاً، ومَن تَعَامَى عُمِيَ، ومَن تَصَامَّ أَصَمَّهُ اللهُ وأعمَى قلبَهُ وبَصَرَهُ كما قال الله عزَّ وجلَّ: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) وقولهِ تعَالى: (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ).

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> عاشوراء وانتصار العقل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger