الإيمان بنور عاشوراء ورفعه

0 230

الإيمان بنور عاشوراء ورفعه

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

قال تعَالى: (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ).

 

إنَّ أهلَ العَمى الذين أُصيبَت قلوبُهم وأبصارُهم بالعَمَى، عاجزونَ كُلَّ العَجزِ عن رُؤيةِ الحقِّ وتصديقِ الحقائقِ، لأنَّ نفوسَهم الْمُظلمةَ لا تُبصِرُ، فكيفَ لهم أن يُبصِرُوا أو أن يُدرِكُوا أنَّ أئمَّةَ أهلِ البيتِ علينا سلامُهُم هُم أنوارُ اللهِ الْمُنزَّهونَ عن سلُوكِ الأجسادِ الفانيةِ.

تلكَ الأنوارُ التي تَسامَتْ بنُوارنيَّتِها عن حالاتِ العجزِ البشريِّ من ضَعفٍ ووَهنٍ وقَتلٍ وصَلبٍ وحَرقٍ، وقد نزَّهَهُم القُرآنُ تنزيهًا تامًّا بقَوله: (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا)، فسلامُ اللهِ على نُورِهِ الْمَرفُوعِ إليهِ في كربلاء، وعلى عَارِفيهِ الْمُؤمنين الْمُؤيَّدينَ بتأييدِهِ في عاشوراء.

إنَّ الإيمانَ بنورِ الأوصياءِ والرُّسلِ والأنبياءِ والأئمَّةِ من أهلِ البيتِ، وسطُوعِ أنوارِهم في عالَمِ العقلِ وعالمِ الحِسِّ، من الْمَبادئِ الإيمانيَّةِ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ الرَّاسخةِ، وَلَهُ من الثَّباتِ واليقينِ عندَنا ما يَجعلُهُ من الْمُسَلَّماتِ البَديهيَّةِ الإيمانيَّةِ فَهُم أنوارُ اللهِ، وشجرةُ النُّورِ البازغِ لهدَايةِ الخَلْقِ، وشَـاهِدُهُ ما أشارَ بهِ أصـدَقُ القائلينَ ونطقَ به أشـرفُ النَّبيِّينَ في خطابهِ الواضـحِ الْمُبينِ في قوله تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِينَ)، الْمُبَلِّغَةِ النِّدَاءَ (فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)، الباسِقَةِ الفرُوعِ في طورِ سين، الْمُشَارِ إليها في الذِّكرِ الحكيمِ: (وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ)، الْمَنعُوتةِ بالخُروجِ من جميعِ الجهَاتِ في قولِهِ الحقِّ: (لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ)، مُنَزَّهَةً عن سِمَاتِ عالَمِ الحسِّ والعقلِ وعن التَّكييفِ والإحصارِ.

فوجُودُ ذاتِ الحقِّ الْمُقدَّسَةِ لا يُنكِرُهُ إلاَّ كُلُّ ناقصِ عقلٍ ودينٍ، فاللهُ بَينَ خَلقِهِ ولكنَّ الخلقَ في شَكٍّ منهُ، ومرآةُ الحقِّ مَشهودَةٌ للخَلقِ في السَّماواتِ والأرضِ، وليسَ لها من سِترٍ أكثر من جَهلِ الخَلقِ بها وبوُجُودِها، إذْ لو كان يَحجُبُها شَيءٌ، فَحتمًا لازمًا وقولاً جازمًا سَيكونُ ذلكَ الحَاجِبُ أعظمَ من الْمُحتَجِبِ به، وهذا ما لا يَجوزُ قولُهُ، أي لا يجوزُ أن نجعلَ ذاتَ الحقِّ مَحجوبَةً في شَيءٍ إذ سُئِلَ الإمامُ الصادقُ علينا سلامُهُ: هل يَحتَجِبُ الرَّبُّ في شيءٍ؟ فأجابَ: لا شيءَ أكبرُ منه فَيَسترهُ.

وهوَ قَبْلَ الْمَمثولِ وأَجَلُّ منه، بل يُورِي وجُودَهُ في سَمَاوَاتِهِ وأرضِهِ للشَّاهدينَ العارفينَ كَسِمَةِ ما أَحْدَثَهُ وأبْدَاهُ من غيرِ مُمَازَجَةٍ ولا حُلولٍ، لأنَّهُ لا يُمازِجَ الْمُحدَثَاتِ لكونِهِ مُحْدِثُها ومُبْدِيها، وهي مَخلوقةٌ وهو خالقٌ، وإذا كانَ مِن لُطْفِه بنا وَرَأفَتِهِ علينا أَوْرَانا وُجُودَهُ بسِمَاتِ عالَمَي العقلِ والحِسِّ، فلا يجبُ أنْ نُثْبِتَ تلكَ السِّمَةَ إلاَّ من حَيثُنا نحن، وإذا تَبَصَّرَ ذُو لُبٍّ مُصيبٍ وَجَدَ جميعَ الْمَوجوداتِ صـنعةً من صَانعٍ، وعَلِمَ أنَّ صَـانِعَ هذه الأشــياءِ لا يَظهرُ بها حُلولاً لأنَّهُ قادرٌ، أمَّا صـانِعُ الشَّـيءِ فلا يُعيبُهُ وجودُ ذاتِه الْمُقدَّسةِ في سِمَةٍ شَاكَلَتهُم لكي يَصِلُوا إلى معرفةِ مَعبودِهم الذي أوجَدَهُم، لأَنَّ الشَّيءَ لا يُفهمُ عن خِلافِ جِنسِهِ، وإذا ظَهَرَ كَسِمَةِ الشَّيءِ يكون خلافَ الشَّيءِ، والشَّيءُ غيرُهُ، لأنَّ الْمَوجوداتِ جميعها مُفتَقِرَةٌ إلى مَنْ أوجدَها، والْمُفتَقِرُ إلى الشَّيءِ يَجِبُ ألاَّ يساويهِ لأنَّه دُونَهُ، وهو مُوجِدُهُ ومُظْهِرُهُ، كما أنَّ الإنسانَ يولَدُ بغيرِ اسمٍ وبعدَ ظُهورهِ يَدعونَهُ باسمٍ فيكونُ غيرَ اسمِهِ واسمُهُ غيرُهُ إلاَّ أنَّهُ لا يُعرَفُ إلاَّ باسمهِ ولا يُدعَى إلاَّ به، وإنْ كان لا يَجوزُ الْمَثَلُ على ذاتِ اللهِ سبحانه تعالى لأنَّهُ خِلافُ الْمَوجوداتِ، ولكن لِيَقرُبَ على أفهامِنا.

فانظرْ يا مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ تعالى إلى هذا القولِ الجَلِيِّ الْمُخبرِ عن تَقَلُّبِ القلوبِ والأبصارِ.

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> الإيمان بنور عاشوراء ورفعه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger