فيض السميع البصير

0 207

فيض السميع البصير

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).

بما أنَّ واجبَ الوجودِ مُتَّصِفٌ وجودُهُ بالعلمِ، فالعالِمُ لا يَصحُّ أن يكونَ عالِمًا إن لم يكنْ سَميعًا وبصيرًا، فإنْ لم يَتَّصِفْ بأنَّهُ سميعٌ بصيرٌ لا يجوزُ أن يَتَّصفَ بأنَّه عالِمٌ، ولهذا كان حتمًا علينا أن نُقِرَّ أنَّ واجبَ الوجودِ هو العليمُ السَّميعُ البصيرُ.  والذي له علاقةٌ مع غيرِهِ يكون سميعًا وكليمًا، وبما أنَّه عليمٌ وله علاقةٌ مع خَلائقِهِ، فهو إذًا بصيرٌ سميعٌ كليمٌ، ولذلكَ قال الوحيُ مُنتَقِدًا الْمُعترضينَ على قدرةِ واجبِ الوجودِ على السَّمعِ والبصرِ والكلامِ: (اِفْهَمُوا أَيُّهَا الْبُلَدَاءُ فِي الشَّعْبِ، وَيَا جُهَلَاءُ مَتَى تَعْقِلُونَ؟ الْغَارِسُ الأُذُنَ أَلا يَسْمَعُ؟ الصَّانِعُ الْعَيْنَ أَلا يُبْصِرُ؟).

فإذا كانت النَّفسُ البشريَّةُ مثلاً عاقلةً بقِوَاها بدونِ تَعلُّقِها بالْمُخِّ والأعصابِ والأعضاءِ، مع أنَّها حَادثةٌ ومَحدودةٌ ومُقيَّدةٌ بكثيرٍ من القيودِ الطَّبيعيَّةِ، فليسَ هناكَ مُبرِّرٌ لإنكارِ هذه الصِّفاتِ عن تجلِّي واجبِ الوجودِ، لا سيَّما وهو الذي لا بدايةَ لَهُ أو نهايةَ.

والحقُّ أنَّهُ ليسَ هناكَ ما يُبرِّرُ إنكارَ وجودِ هذه السِّماتِ الوجوديَّةِ عن تجلِّي واجبِ الوجودِ بسببِ عدمِ وجودِ أعضاءَ لَهُ، فنحنُ نُقِرُّ بأنَّ واجبَ الوجودِ أجَلُّ وأعظمُ من التَّجسيمِ والتَّجسيدِ، وأجلُّ وأعظَمُ من التَّقييدِ بأعضاء، بالرَّغمِ من أنَّ القرآنَ الكريمَ عالجَ هذهِ المسألةَ بشكلٍ واضحٍ، فقد وردَ في أكثرِ من آيةٍ في الكتابِ الكريمِ وصفٌ لتَجلِّي واجبِ الوجودِ كقوله تعالى: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) وقوله تعالى: (جَنبِ اللَّهِ) وقوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)، والكلامُ لا يكونُ إلاَّ مِن تَجلٍّ، وإنَّ الْمُتَجلِّي لَطَالَما تكلَّمَ ونطقَ فهو مُتكلِّمٌ وسميعٌ وبصيرٌ، وهذه سِماتٌ مترابطةٌ مع بعضِها البعضِ، ولا يصحُّ عقلاً الإقرارُ ببعضِها وإنكارُ بَعضِها الآخرَ، وإلاَّ بَطُلَ التَّجلِّي ووقعَ بالعدميَّةِ وهذا مُحالٌ.

إنَّ الْمُعضلَةَ الحقيقيَّةَ التي يُعاني منها بعضُ الفلاسفةِ أنَّهم عَالَجوا هذا الموضوعَ دون أن يَضَعُوا الأُسُسَ الواضحةَ لِيَتسَنَّى لهم تطبيقُ فلسفةِ الاتِّصالِ والانفصالِ بشكلٍ صحيحٍ، فنَرَاهُم تارةً أخذُوا بالوصلِ كلَّ الوصلِ حتَّى جَعَلُوا اللهَ مُساوٍ لسِمَاتِ وجودِهِ التي أبدَاها، ومنها السَّمعُ والبصرُ والكلامُ، فوَقَعُوا بالتَّشبيهِ، بينما ذهبَ بعضهم الآخرُ إلى فلسفةِ الفصلِ كلَّ الفصلِ حتَّى وقعُوا بالنفَّي والإنكارِ لتجلِّي واجبِ الوجودِ، فأنكرُوا أنَّه سميعٌ بصيرٌ خوفًا من وقوعِهم بالتَّشبيهِ فوَقَعُوا بالتَّعطيلِ والإنكار.

أمَّا فَلاسِفَتُنا العلويُّون النُّصيريُّون فقد سارُوا على الطَّريقِ التي رَسَمَها فيلسوفُ الفلاسفةِ وإمامُ الْمُتكلِّمين الإمامُ علي علينا من ذكره السَّلام، فاتَّبَعُوا الصِّراطَ النُّورانيَّ المستقيمَ آخذينَ بالوَصلِ إثباتًا وإيجادًا وحقًّا وعيانًا، وبالفَصلِ إفرادًا وتجريدًا وإجلالاً.

فنحنُ عندَ وصفِ تجلِّي واجبِ الوجودِ نُطلِقُ عليهِ الألفاظَ والسِّمَاتِ كقوله تعالى: (يَدُ اللهِ) وقوله تعالى: (جَنبِ اللهِ)، وقوله: (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) وغيرِ ذلكَ من الآياتِ التي تَصِفُ تجلِّي واجبِ الوجودِ على قَدْرِ الخَلقِ، وإنَّه أبدَى ما أبدَاهُ لِخَلقِهِ مُماثَلَةً لهم لِيَفهَمُوا عنه الأمرَ والنَّهي، وإنَّ كلَّ هذهِ السِّماتِ الفعليَّةِ والصِّفاتيَّةِ ما هي إلاَّ تعبيرٌ عن فلسفةِ الحركةِ لإقامةِ الشَّهادةِ والصَّلاةِ.

أمَّا ذاتُ واجبِ الوجودِ فإنَّها أعظَمُ من أنْ تَخطُرَ على العقولِ لقولِ رسـول الله (ص): (كلُّ ما خطرَ ببالكَ فاللهُ غيرُهُ)، وهذا يُعبِّرُ عن فلسفةِ السُّكونِ الـمُوصِلَةِ إلى حقيقةِ العبادةِ.

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> فيض السميع البصير

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger