الحشوية والمقصرة

0 2٬214

الحشوية والمقصرة

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

هل مِنَ الْمُمكِنِ تَوضيحُ معنى كلٍّ مِن: الحشويَّةِ والمُقَصِّرَةِ؟

 

(الحَشَوِيُّ) في اللُّغةِ: هو الذي يُكثِرُ الحشوَ في كلامِهِ، فالحَشو من الكلامِ هو الكلامُ الزَّائدُ الذي لا فائدةَ منه ولا فَضْلَ فيهِ.

و(الحشويَّةُ) في اللغةِ: هُمْ طَائفةٌ تَمَسَّكوا بالظَّواهرِ وذَهَبُوا إلى التَّجسيمِ وغيرِهِ.

أمَّا في الاصطلاحِ نقول: إنَّ (الحَشَوِيَّةَ) هُم أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ الذينَ حَشَوا أفكارَهم بعلمِ الظَّاهرِ الشَّرعيِّ المَحْضِ، وقد وردَ في تفسيراتِ الإمامِ الصَّادق علينا سلامُهُ أنَّ مَن أقَامَ الظَّواهِرَ مُعتَقِدًا ومُتَدَيِّنًا بها وأهمَلَ الحقائقَ جاهلاً بها فهو حَشَوِيٌّ، ومَنْ أهمَلَ الظَّواهِرَ خارِقًا للتَّقيَّةِ حتَّى لو أقامَ الحقائقَ اعتقادًا فهو مُتَّهَمٌ بالإلحادِ بِنَظَرِ الجَهلَةِ والعامَّةِ، وأمَّا مَنِ استَعْمَلَ الظَّواهِرَ تقيَّةً وعَرَفَ الحقائقَ اعتقادًا فهو مؤمنٌ حَقًّا.

أمَّا بالنسبةِ لمعنى (الْمُقَصِّرَةِ)، فإنَّهُ يُقال: قَصَّرَ عن الأمرِ: أي تَرَكَهُ وهو لا يَقدِرُ عليهِ، ويُقال: قَصَّرَ في الأمرِ: أي تهاونَ فيه.

فكلمةُ (الْمُقَصِّرَةِ) في اللغةِ: تعني الْمُتَهاوِنُون، وهؤلاءِ يَميلُونَ إلى ظَوَاهِرِ الأمورِ لِكَثافَتِهم وقساوَةِ قُلوبِهم، فَهُم يَعدِلُونَ إلى ظَوَاهِرِ الأمورِ ويَتَجَنَّبونَ بَوَاطِنَها لأنَّ أفهامَهُم وعُقولَهم لا تُطيقُ البَوَاطِنَ ولا تَصْطَبِرُ عليها، إذْ إنَّ رَونَقَ الظَّواهرِ يَدعو الأسماعَ إليهِ، وعُمْقَ البَوَاطِنِ يَحُثُّ الأفهامَ إليه، والنَّاسُ كُلُّهُم سَامعونَ، وليسَ فيهم مِن الفَهْمِ إلاَّ قليلٌ، فكُلُّ ذي سَمعٍ إلى رَونَقِ الظَّواهرِ يَميلُ، وكلُّ ذي فَهمٍ إلى عَميقِ البَوَاطِنِ يَسيرُ، واللهُ تَعَالى يقولُ مُنَبِّهًا لأهلِ العقولِ ومُؤَيِّدًا لِذَوي الألبابِ وأهلِ التَّحصيلِ في قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).

أمَّا في الاصطلاحِ: فإنَّ كلمةَ (الْمُقَصِّرَةِ) تَدُلُّ على الشِّيعةِ الذينَ وَالَوا أهلَ البيتِ لكنَّهم قَصَّروا في معرفتِهم وتَهاوَنوا فيها، وتَرَكوا الارتقاءَ في هذه المعرفةِ، فأسقَطوا عنهم العصمةَ التَّكوينيَّةَ الخاصَّةَ بهم، لقولِ الإمامِ الصَّادقِ علينا سلامُهُ لسيِّدنا المفضَّل بن عمر (ع) كما وردَ في كتابِ الهدايةِ الكبرى: (الْمُقَصِّرَةُ هُمُ الذين هَدَاهُمُ اللهُ إلى فَضْلِ عِلْمِنا وأَفْضَى إليهم سِرَّنَا فَشَكُّوا فِينا وأنكَرُوا فَضْلَنا وقالوا: لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيُعطِيَهُم سُلطانَهُ وَمَعرِفَتَهُ).

أمَّا (الْمُرتَفِعَةُ) فَهُم غلاةُ الشِّيعةِ الذينَ ارتفَعوا عن التَّقصيرِ وزَعَمُوا أنَّ الإمامَ الحسين علينا سلامُهُ هو الخالقُ، وليسَ بينَهُ وبينَ اللهِ واسطَةٌ ولا فاصلَةٌ ولا رسولٌ، وأنَّ عِلْمَ النَّبيِّ (ص) من اللهِ وَحيٌ على يَدِ جبرائيلَ (ع)، أمَّا الإمامُ الحسين علينا سلامُهُ فَيَعلَمُ ذلكَ كلَّهُ بلا وَحيٍ ولا وَاسطَةٍ لأنَّ قلبَ الإمامِ وَكْرٌ لإرادةِ اللهِ، فَمَا شاءَ اللهُ شاءَ الإمامُ بغيرِ أَمرٍ ولا وَحي ولا خِطابٍ، وقد أشارَ إليهم الإمامُ الصَّادقُ علينا سلامُهُ بقولِه لسيِّدنا المفضَّل بن عمر (ع) كما وردَ في كتابِ الهدايةِ الكبرى: (أمَّا الْمُرتَفِعَةُ فَهُم الذين يَرتَفِعُونَ بِمَحَبَّتِنا وَوِلايَتِنا أهلَ البيتِ ويُظهِرُونَنا بغَيرِ الحقيقةِ، وليسَ هُم مِنَّا في شَيءٍ، أولئكَ يُعَذَّبونَ بعَذَابِ الأمَمِ الطَّاغِيَةِ حتَّى لا يَبقَى نوعٌ من العذابِ إلاَّ عُذِّبُوا بِهِ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> الحشوية والمقصرة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger