قضايا توحيدية

مواجهة بدعة الحلول الشيئية

مواجهة بدعة الحلول الشيئية

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

يقول تعالى: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون).

إن محاولات تحريف الكتب السماوية والأحاديث النبوية وأحاديث الأئمة المعصومين لم تتوقف يوما، بل تعدى الأمر ذلك إلى تحريف أقوال أهل العصمة الذين قالوا عن الله سبحانه وتعالى: (لا يقال له: شيء، ولا يمثل به شيء، ولا تضرب له الأمثال، ولا به)، فجعلت بعد التحريف: (لا يقله شيء)، لتكون حجة لجعل الشيء ماهية للحق عز وجل!

وقد احتجوا بقوله تعالى: (قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم)، فهل هذا القول يثبت الحلول الشيئي على الله وهو القائل: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)؟ فلماذا لم يقل: (شيء ليس كمثله شيء) وكلام القرآن دقيق جدا؟

من هذه الآية يمكن استنباط إمكانية القول: (شيء) إثباتا للوجود وإسقاطا لحد الإنكار والعدم، لئلا يحتج أهل العدم بالتوهم، ولفظ (الشيء) هنا يطلق مجازا لا حقيقة لقول الإمام علي الرضا (علينا سلامه): (قد يطلق على الحق تعالى اسم الجوهر والجسم والذات والشيء، وكل ذلك على سبيل المجاز والتقليد، لا على سبيل التوحيد والتجريد)، وذلك للدلالة على التنزيه عن أقوال أهل التشبيه والحلول، وإسقاطا لحدي الإنكار والشرك.

ولو كان الشيء ماهية لله لكانت الأشياء كلها مخلوقة من هذا الشيء، وهذا يخالف قول الإمام محمد الباقر (علينا سلامه): (إن الله خلق الأشياء لا من شيء، فمن زعم أن الله خلق الأشياء من شيء فقد كفر)، فهل الخالق كالمخلوق؟ وهل القديم كالمحدث؟ وهل الرب كالمربوب؟

أليس إثبات حلول الله بالشيء هو تشبيه له بالشيء، وكل شيء مخلوق لا محالة، والإمام جعفر الصادق (علينا سلامه) يقول: (من زعم أن الله في شيء أو من شيء أو على شيء فقد أشرك، ولو كان الله عز وجل على شيء لكان محمولا، ولو كان الله في شيء لكان محصورا، ولو كان الله من شيء لكان محدثا)، فهل يجوز أن يكون الله مخلوقا والله يقول: (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل)؟ فالشيء دائما مخلوق.

حتى أن المقارنات بالأشياء كلها خاطئة وتشبيهية حيث قال رجل بحضرة الإمام جعفر الصادق (علينا سلامه): الله أكبر، فقال الإمام: من أي شيء؟ فقال الرجل: من كل شيء. فقال (علينا سلامه): لقد حددته. فقال الرجل: ما أقول يا مولاي؟ فقال (علينا سلامه): (قل: الله أكبر من أن يوصف).

فالإمام جعفر الصادق (علينا سلامه) رفض أن يكون قول الرجل: الله أكبر من كل شيء كي لا يقرنه ويشبهه بالأشياء، فكيف نثبت عليه إذا الماهية الشيئية والحلول بالشيء وقد قال (علينا سلامه): (إن الله لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، وكل ما وقع في الوهم فهو بخلافه) تنزيها له عن الشيئية.

فإذا احتجوا ليقولوا لنا: كيف نعرفه إن لم يكن شيئا؟ نذكرهم بالقول المأثور عن علمائنا: (لا يعرف الشيء إلا بما فوقه، أرفع ما فينا العقل، والحق تعالى فوق العقل)، هذا يعني كما قال أمير المؤمنين الإمام علي (م): (به يعرف العقل لا بالعقل يعرف)، وهذا قول صريح على أن الشيء هو العقل، والحق تعالى فوقه.

فإن سأل سائل: إذا نفينا عنه اسم الشيء دخل في باب العدم! قلنا له: إن هذا القول لا يلزمنا لأننا نعتقد بالوجود وننفي عنه الأسماء والصفات والأفعال والأعراض، فلا يجوز في الحقيقة أن يقال له: “شيء أو جسم”، والشيء فيه ضعف من خمسة أوجه لأنه عرض، والعرض لا يقوم بنفسه. وإن قالوا: هو شيء أزلي والأشياء كلها مخلوقة! نرد عليهم بقول الإمام جعفر الصادق (علينا سلامه): (هذه مقولة من جحدوا مدبر الأشياء)، وهم أهل الحلول الجاحدون المشركون.

والخلاصة: إن الله لا يقال له: شيء، ولا يمثل به شيء، ولا على شيء ولا في شيء ولا من شيء، ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، ولا تضرب له الأمثال، ولا به، مكون ومبدع ومشيء، (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

مواجهة بدعة الحلول الشيئية

‫4 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى