مقام شهر رمضان
مقام شهر رمضان
بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد
شهر رمضان هو شهر الله تعالى، إذ قال تعالى: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله)، وقال الإمام جعفر الصادق (علينا سلامه): (غرة الشهور شهر الله عز ذكره وهو شهر رمضان).
فهو شهر جليل القدر، كبير المقام، أيامه زاهرة ليست كباقي الأيام، ولياليه باهرة ليست كباقي الليالي.
ولابد من التنبيه على أن كثيرا من الناس يخطئون إذ يقولون: “رمضان”، حيث جاء أصحاب سيدنا رسول الله محمد (ص) وقالوا له: قد ذهب رمضان، قال لهم: (رمضان لا يذهب ولا يجيء، بل شهر رمضان يذهب ويجيء، فلا تقولوا: “رمضان”، فإنكم والله ما تدرون ما رمضان، ولكن قولوا: “شهر رمضان” كما قال تعالى: “شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن”، فإن رمضان بأعلى مكان، رمضان بأعلى ما تظنون).
وشهر رمضان الكريم أوله شهادة، وأوسطه رفعة، وآخره معرفة. فدلالة الشهادة في قول أمير المؤمنين الإمام علي (م): (الحمد لله الذي بطن خفيات الأمور ودلت عليه أعلام الظهور.. الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود). ودلالة الرفعة في قوله (م) في نهج البلاغة: (الحمد لله الدال على قدمه بحدوث خلقه وبحدوث خلقه على وجوده وباشتباههم على أن لا شبه له). وأما المعرفة فهي أول الدين لقوله (م): (أول الدين معرفته).
لهذا جاء قوله جل جلاله: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه).
فقد أنزل القرآن في أول ليلة من شهر رمضان، وهو غير الفرقان، إذ سئل الإمام جعفر الصادق (علينا سلامه) عن القرآن والفرقان: أهما شيئان أم شيء واحد؟ فقال: (القرآن جملة الكتاب)، وهو مثال الشهادة، (والفرقان المحكم الواجب العمل به)، وهو مثال الرفعة، وأما الأمر بالصيام فهو المعرفة الحقة، لأن من حفظ حرمته قبل منه عمله وزكي سعيه ووفي أجره، ومن ضيعها ضاع صومه وخسر عمله.
فالمعاني الحقيقية للصوم عظيمة، تتمثل في صوم السيدة مريم العذراء (ع) في قوله تعالى: (إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا).
من عرف هذه المعاني بحقيقة المعرفة صامت جوارحه كلها، وأضاءت كلمته واستنارت حجته واشمعل نوره، وحينئذ صار بالحقيقة صائم النهار قائم الليل، قد عرف وآمن وأجاب إلى ما دعي، وعمل بما أمر، فصار من الذين قال تعالى فيهم: (أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب)، الذين أمروا بقوله تعالى: (ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)، فالتكبير هو تعظيم الباري عما قال فيه المشبهون والمعطلون، والهداية للولاية التي أقرها تعالى بقوله: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)، والشكر على المعرفة التي قال تعالى فيها: (وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها).
نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد
لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا


