صيام شهر رمضان
صيام شهر رمضان
بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد
إن شهر رمضان شهر الله بحقيقة المعنى، فكما أن الكعبة بيت الله، والقرآن كتاب الله، كذلك هذا الشهر المبارك، هو أيضا شهر الله عز وجل، والشيء إذا انتسب إلى الله عز وجل اكتسب العظمة، لأن الشهر عظيم أزلي وأبدي.
وإذا ما دققنا في قوله تعالى: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)، يجب أن ندقق في أن القرآن الكريم لا يذكر كلمة (كتب) إلا في مواضع مهمة، ففي هذه الآية يقول: (كتب عليكم الصيام)، ولو كان الصيام أمرا هامشيا في حياة المؤمن لما قال القرآن الكريم: (كتب عليكم الصيام)، فالإسلام لو لم يكن فيه صيام كان ناقصا ولما أعطى ثماره.
وبملاحظة قوله: (كما كتب على الذين من قبلكم)، نجد أن هذا الصيام لم يكتب علينا فحسب! وإنما على الأمم السابقة جميعا، وبذلك لم يتميز المسلمون بالصيام، لأن الأمم السالفة جميعها أمرت بالصيام.
ولأن شهر رمضان بمثابة بستان فيه أشجار، وثمرته التقوى، فقد قال: (لعلكم تتقون)، فالتقوى حال إذا وجدت في الإنسان المؤمن استمر على حاله من التعالي والتقديس والطهارة، بدليل قوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
بالنظر إلى التعبير القرآني الجميل! قال تعالى: (لعلكم)، ما يعني أن القضية ليست قضية تلقائية، وأن شهر رمضان ليس شهر الثواب بوجه تلقائي، إذ ليس كل من صام شهر رمضان يحوز على ثمرة التقوى، إنما يحتاج إلى أمور أخرى غير الوجه المتعارف عليه. وبذلك ليس كل من يكف عن الطعام والشراب في شهر رمضان يخرج بثمرة التقوى.
لابد أن تكون الثمرة متناسبة مع الشجرة، فالكف عن الطعام والشراب أمر بدني مادي، ولكن التقوى أمر معنوي، فهل يعقل أن يأتي اللب من القشر؟
إن التقوى ثمرة معنوية، وعليه لابد أن يكون الصوم صوما معنويا، فالكف عن الطعام والشراب ليس حركة متكاملة، إذ لابد من إضافة عناصر أخرى، ألا وهي الكف عن كل ما حرم الله عز وجل.
فالذي يصوم بفمه ومعدته، ولا يصوم بعينه، هل كف نفسه عن الحرام؟ والذي يكف عن الطعام والشراب، ولا يكف عن غيبة المؤمنين التي يقول فيها الإمام جعفر الصادق (علينا سلامه): (من روى عن مؤمن رواية يريد بها شينه وهدم رتبته ليسقط من أعين الناس، أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان ولا يقبله الشيطان)، هل هذا الإنسان صائم؟
علينا إذا أن نعلم أن هناك فرقا واضحا عند أهل الحق بين صوم الكف عن الطعام والشراب، وصوم الكف عن المحارم كلها كمثال قوله تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل)، و(فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم)؛ إذ لم يتكلم هنا عن صوم الجسد بل عن صوم النفس واللسان كمثال قول سيدنا عيسى المسيح (ع): (الإنسان يمكنه أن يتطهر بحفنة من الماء، ولا يمكنه أن يطهر قلبه بكل مياه البحر الكبير).
فالصوم عن الطعام والشراب لا يفيد أبدا إذا لم يكن هناك رادع نفسي عن ارتكاب المحرمات، وصوم الأعراض عن الشرك بالله تعالى كما ذكر في كتاب الله: (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم)، فلنتأمل هذه المعاني ولنعتبر.
نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد
لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا


