حد الصبر
بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد
يقول تعالى: (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون)، والصبر يعد من أول دعائم الإيمان لما له من الثواب عند الله تعالى، وله مقام عظيم يصفه أمير المؤمنين الإمام علي (م) بقوله: (الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس معه، ولا في إيمان لا صبر معه)، فلماذا اكتسب الصبر هذا المقام يا ترى؟ وما هو المعنى الحقيقي للصبر؟ هل الصبر يا ترى يعني الشكوى أو عدم الشكوى؟ ولمن تكون الشكوى؟
هناك عدة درجات للصبر:
- أولها: احتمال صعوبة التوحيد وما سيلحق بالمؤمن الموحد من مكاره ومصاعب في الدنيا، وهو ما ذكره الإمام جعفر الصادق (علينا سلامه) بقوله: (الجنة محفوفة بالمكاره والصبر، فمن صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنة. وجهنم محفوفة باللذات والشهوات، فمن أعطى نفسه لذتها وشهوتها دخل النار).
- وثانيها: الصبر على الوقوف في جهة الحق والدفاع عنه قولا وفعلا، حيث ورد عن الإمام علي زين العابدين (علينا سلامه): (اصبر على الحق وإن كان مرا).
- وثالثها: الصبر على ما يلحق بالمؤمن امتحانا واختبارا كالفقر وبغض الأعداء وكيدهم، حيث ورد عن الإمام جعفر الصادق (علينا سلامه) أن رسول الله (ص) قال: (سيأتي على الناس زمان لا ينال الملك فيه إلا بالظلم والتجبر، ولا الغنى إلا بالغصب والبخل، ولا المحبة إلا باستخراج الدين واتباع الهوى، فمن أدرك ذلك الزمان فصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى، وصبر على البغض وهو يقدر على المحبة، وصبر على الذل وهو يقدر على العز آتاه الله ثواب خمسين صديقا ممن صدق بي).
ولكن يظن البعض أن الصبر هو السكوت وعدم الدعاء والابتهال لرفع المصاب! هذا غير صحيح، لأن حد الصبر هو حبس النفس عن الشكوى إلى غير الله، لا إلى الله تعالى، بدليل قوله في كتابه العزيز: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم). فمن اعتقد أن الشكوى إلى الله تعني نفادا في الصبر، أو عدم رضى بالقضاء، فهو مخطئ بالتأكيد، لأن هناك فرقا بين القضاء والمقضي به، فالقضاء أمر الله تعالى، فهو من حيثه إذا، أما المقضي به فهو الأمر الواقع بالعبد، وهو من حيثنا، ولا يمكن أن يكون المقضي به (العام) عين القضاء (الخاص) إلا من حيث الحقائق لا الهيئات.
ألا نتمثل بالأنبياء والرسل في حياتنا؟ ألا نذكر رسول الولاية أيوب (علينا سلامه) الذي أظهر الابتلاء بلا ذنب فصبر، وأظهر الشكوى إلى الله تعالى لرفع الضر عنه تعليما للمؤمنين بقوله: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين)، فرفعه وأثنى عليه ووصفه بالصبر حيث قال تعالى: (إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب).
فالدعاء لله والشكر هو حد الصبر الذي أمرنا به الأئمة، ومن ذلك ما ورد عن الإمام جعفر الصادق (علينا سلامه) أنه قال: (المعافى الشاكر له من الأجر ما للمبتلى الصابر، والمعطى الشاكر له من الأجر كالمحروم القانع).
كما ورد عن الإمام محمد الباقر (علينا سلامه) أنه قيل لرسول الله (ص): يا رسول الله لم تتعب نفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال (ص): (ألا أكون عبدا شكورا).
وكذلك ورد أن سيدنا رسول الله (ص) كان يقوم على أطراف أصابع رجليه فأنزل الله سبحانه وتعالى: (طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)، وهذا تعليم للمؤمنين من قبل سيدنا النبي محمد (ص) أن العبادة الحقة لا تتحقق بالحركات المحسوسة دون دراية بمعرفة التوحيد إثباتا وإفرادا.
نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد
لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا



عليك السلام سيدي
وعليك السلام
حياك الله سيدي ???? رائع
حياك الله
وفقك الله سيدي
بوركتم