في فضاء الإمام علي

أنوار الهجرة الباهرة

وهي ليلة الفراش التي أظهر فيها أمير المؤمنين (م) النوم في دار سيدنا النبي محمد (ص)

أنوار الهجرة الباهرة

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

هناك من فرط بحق أمير المؤمنين الإمام علي (م)، فالبعض فرطوا به عندما ساووه بغيره على الرغم من الاستثناءات التي خصه بها سيدنا النبي محمد (ص)، فهو ميزان الحق الذي حدده (ص) بقوله: (علي مع الحق والحق مع علي، يدور معه حيثما دار)، وهو الذي كان سيدنا محمد (ص) الأقرب إليه بقوله: (أنا من علي وعلي مني، وعلي ولي كل مؤمن بعدي)، ولم يوصف بهذا الوصف أي صحابي سواء كان ميمونا أو منافقا.

أما البعض الآخر ففرطوا به عندما وصفوه بصفات الضعف بعد أن رأوا منه القوة والمعجزات القاهرة، ومن الضعف الذي وصفوه به هو الجبن.

نحن كمؤمنين لا يمكننا أن نقيم الإمام علي (م) بناء على هذه المعايير السطحية التي تسلبه حقه وتصفه بالجبن والضعف، لأننا نعتمد على النص الذي كرمه وأعطاه المقام الذي يجب أن نعرفه فيه، ففي الخندق قال رسول الله (ص) عندما برز الإمام علي (م) لمواجهة عمرو بن ود العامري (لع): (برز الإيمان كله إلى الشرك كله)، فهل وصفه بالإيمان كله عبثي من قبل النبي محمد (ص)، وقد وصف (ص) ضربته بقوله: (لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن ود يوم الخندق أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة)؟

وبهذا لا يمكن فهم إظهار حالات الضعف إلا من جهة إثبات الحجة على الذين نكثوا وعدهم وعهدهم مع رسول الله (ص). وكما أظهر الأوصياء القدرة أظهروا الضعف تلبيسا دون أن يكون لما ظهر حقيقة إلا من جهة الناظر ليفرق بين الموقن والمشكك، والموحد والمقصر.

ومن أجل الدلائل على الشجاعة التي أظهرها الإمام علي (م) هو ما حدث ليلة إنقاذ الإسلام من الفناء، وهي ليلة الفراش التي أظهر فيها أمير المؤمنين الإمام علي (م) النوم في دار سيدنا النبي محمد (ص)، حين اتفق المشركون على قتل النبي الأكرم في داره ليلا، وعلى إسناد قتله إلى رجل واحد من كل فخذ من أفخاذ قريش ليضيع دمه في قريش كلها هدرا.

علم سيدنا النبي محمد (ص) بمكرهم، وخرج إلى الغار في الثلث الأول من الليل، حيث قبض قبضة من الرمل ورماها في وجوه المشركين، فأعمى الله أبصارهم ولم يره أحد منهم عند خروجه لقوله تعالى: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين)، فمكرهم خداع وضلالة وكفر، ومكر الله إحقاق للحق وحماية للرسالة.

مر سيدنا النبي محمد (ص) بالغار ودخل فيه، وكانت العناية الإلهية له في الغار، فما أن دخل إلى الغار حتى نسج العنكبوت خيوطه على بابه، فتوهم المشركون أن سيدنا محمدا (ص) لم يدخل الغار، بل تابع مسيره باتجاه يثرب، وفيه قال تعالى: (إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا)، والصاحب هو جبريل (ع) كما ورد عن السيد الأجل الحسين بن حمدان الخصيبي في كتاب الهداية الكبرى.

كانوا يحاولون اغتيال سيدنا النبي محمد (ص) قبل انتشار رسالته، كمن يحاول اليوم طمس الحقائق الإلهية، وتحريف أقوال أهل العصمة، وتشويه علوم السادة الثقات أو حذف الحقيقة من الكتب واستبدالها بما يكتبونه بأيديهم (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا) يحرفون الكلم عن مواضعه، ويبيعونه بالثمن البخس، وهذا ما لا يجوز مطلقا لقوله تعالى: (ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون).

كانوا يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم وسيوفهم، والله يأبى إلا أن يتم نوره، فخرج سيدنا رسول الله محمد (ص) ومضى باتجاه الغار، وبقي أمير المؤمنين الإمام علي (م) في فراش رسول الله (ص)، ولما أن دخل المشركون الدار ليلا ليقتلوا محمدا (ص) فوجئوا بأمير المؤمنين الإمام علي (م) يقول لهم: (أعجبتكم كثرتكم، وفالق الحبة وبارئ النسمة، لو شئت أن أفني جمعكم لكان أهون علي من فراش السراج الذي لا شيء أضعف منه).

ما جرى ليس مصادفة نمر عليها دون الغوص في معانيها، بل نقف عنده ونتأمل مليا في معانيه العظيمة وإشاراته العميقة، وأولها من الناحية الإنسانية والأخلاقية ما يعلمنا أمير المؤمنين الإمام علي (م) من مبدأ الإيثار بين المؤمنين، فالعلاقات بين الإخوة في الإيمان على ثلاث درجات: المواساة والمساواة وأعلاها الإيثار لقوله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)، وهم السابقون بالخيرات لإخوانهم المؤمنين.

والمؤمن يتعظ بالعبر والأمثال، فأمير المؤمنين الإمام علي (م) يعلمنا مبدأ التضحية في سبيل العقيدة الحقة، وهذا هو الجهاد الأعظم، والله هو الذي ينصر من وهب نفسه لحماية الدين السليم والعقيدة السليمة لقوله تعالى: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

أنوار الهجرة الباهرة

‫4 تعليقات

  1. جزك الله كل خير وانار طريقك وابعد عنك كيد العداة وثبتنا واياك على ولاية امير المؤمنين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى