علوم علوية

أنوار القدر الأبهى

أنوار القدر الأبهى

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

لشهر شعبان عظمة كبيرة عند المسلمين عامة، وعند المؤمنين خاصة إذ ورد عن الإمام علي الرضا (علينا سلامه) أن سيدنا رسول الله محمد (ص) قال: (شعبان شهري، وشهر رمضان شهر الله).

ليلة النصف من شعبان ليلة عظيمة بإجماع المسلمين جميعهم، وهي أشرف ليلة من ليالي شهر شعبان، وأعظمها قدرا وأكبرها ذكرا، لأنها الليلة التي قال الله تعالى فيها: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين، فيها يفرق كل أمر حكيم).

وإذا كان هناك إجلال لشهر شعبان واستحسان للصوم فيه بدليل قول الإمام علي الرضا (علينا سلامه): (صوم شعبان حسن، وهو سنة)، وقول الإمام جعفر الصادق (علينا سلامه): (صوم شعبان وشهر رمضان متتابعين توبة من الله، والله)، فإن هذه الليلة أعظم ليلة فيه إذ يقدر الله سبحانه وتعالى جميع ما سيحصل للعباد من أرزاق أو مصائب، ويغفر فيها الذنوب، ثم يقدم الله ما يشاء، ويؤخر ما يشاء بأمره، لقوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب).

لذلك كان لهذه الليلة العديد من الأسماء منها: ليلة البراءة، وليلة الدعاء، وليلة الإجابة، والليلة المباركة، وليلة الشفاعة، وليلة العتق من النيران، وليلة عيد الملائكة، وليلة التكفير وليلة الحياة.

وقد أمرنا أمير المؤمنين الإمام علي (م) بقوله: (إذا كانت ليلة نصف شعبان، فقوموا ليلها وصوموا نهارها، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا مستغفر لي فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه، ألا كذا، ألا كذا؟ حتى يطلع الفجر)، وهنا اشتهر الدعاء المبارك فيها: (اللهم بالتجلي الأعظم في ليلة النصف من شهر شعبان المكرم، التي يفرق فيها كل أمر حكيم ويبرم، اكشف عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم).

لقد دعا أهل البيت إلى زيارة الإمام الحسين (علينا سلامه) في ليلة النصف من شعبان، ولأننا نؤمن بعصمة الإمام الحسين (علينا سلامه) لأنه نور معصوم كالأئمة كلهم، لا نحصر زيارته ببقعة لأن ذلك من العادات الوثنية التي نهى عنها سيدنا النبي موسى الكليم (ع) بقوله: (لا تصنعوا لكم أوثانا، ولا تقيموا لكم تمثالا منحوتا أو نصبا)، بل كل بقعة يجتمع فيها المؤمنون ويذكرون الله ويسبحونه هي بقعة مباركة لقول الإمام علي الهادي (علينا سلامه): (إن لله بقاعا محمودة يحب أن يدعى فيها فيستجيب لمن دعاه)، وقوله عز وجل في الحديث القدسي: (إن السموات والأرض لا تسعني، ويسعني قلب عبدي المؤمن، لأن قلب عبدي المؤمن حرمي، وحرام على حرمي أن يسكن فيه غيري)، وهنا تتحقق زيارته بمعرفة مقامه المنزه عن الحالات البشرية جميعها التي لا تليق بأهل العصمة جميعا.

من المهم جدا الإشارة إلى أنه قد تم في هذه الليلة تحويل القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام في مكة المكرمة، بعد أن صلى سيدنا النبي محمد (ص) أربع عشرة سنة متوجها إلى بيت المقدس قبل أن يصلي متوجها إلى بيت الله الحرام.

وبما أن الله لم ينتقل من بيت المقدس إلى الكعبة سبحانه جل عن الحركة والانتقال لقول أمير المؤمنين الإمام علي (م): (ولا كان في مكان فيجوز عليه الانتقال)، فإن هذا التحويل كان للدلالة على أن المعاني العميقة للصلاة لا تزول بالتوجه لمكان لأن الله هو المتجلي في السموات والأرض، لقوله تعالى: (وهو الله في السماوات وفي الأرض)، وهذا ما تثبته بعض الأحاديث الواردة في فضل هذه الليلة والتي تثبت أن لها فضلا على سائر الليالي.

ففي الحديث الشريف ورد أن الله سبحانه يتخذ منظرة في الجنة تبرز صورته منها، وقد أجمعت المتصوفة على أن أصحاب الحال يشاهدون الحق جل وعلا ويرونه عيانا بدليل قول سيدنا النبي عيسى المسيح (ع): (طوبى لأصفياء القلب لأنهم يعاينون الله).

وروي عن بعضهم أن الله يتجلى في الليل ثم ينادي: أين المدعون محبتي في النهار؟ أليس كل محب يحب الخلوة مع حبيبه؟ فها أنا متجل على أحبائي أشاهدهم ويشاهدونني، وغدا أقر أعينهم برؤيتي، وما يؤكد ذلك قول سيدنا النبي محمد (ص)‏:‏ (إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن)، وهو ما أشار إليه رسول الولاية إشعياء (علينا سلامه) بقوله: (يعلن مجد الرب ويراه كل بشر جميعا، لأن فم الرب تكلم).

ومن الأدلة على ذلك ما روي عن الإمام جعفر الصادق (علينا سلامه) أنه قال: قال رسول الله (ص): (صبحت ليلة أسرى بي ربي فرأيته بصورة الشاب المؤنق. قيل: وما المؤنق؟ قال: ابن الأربع عشرة ورجلاه في خضرة وبيني وبينه فراش من ذهب، وهو باق للآن يراه من تمعناه)، فسئل الإمام جعفر الصادق (علينا سلامه): وهل رأى محمد ربه ليلة معراجه؟ فأجاب: (نعم وأنا رأيته البارحة هاهنا)، وأشار بيده إلى السماء؛ يعني في هذا الموضع.

ولابد من التنويه إلى أن بيت المقدس ليس هو المسجد الأقصى كما يظن أكثر الناس في أقوالهم، لأنهم يخلطون بين بيت المقدس والمسجد الأقصى ويجعلونهما واحدا وهذا غير صحيح، فبيت المقدس هو المعروف في فلسطين، أما المسجد الأقصى فهو الذي أسري بسيدنا النبي محمد (ص) إليه من المسجد الحرام في قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

أنوار القدر الأبهى

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى