علوم علوية

أنوار الصوم

أنوار الصوم

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

لا تجوز المساواة بين مصطلحي “الصوم والصيام”، إذ ليس لهما المعنى نفسه، فنحن ندقق في إشارات الكلام الإلهي دون الوقوف على حد اللفظ فقط لقول الإمام جعفر الصادق (علينا سلامه): (إن كتاب الله على أربعة أوجه: العبارة والإشارة واللطائف والحقائق؛ فالعبارة للعوام والإشارة للخواص واللطائف للأولياء والحقائق للأنبياء).

إذا دققنا في إشارات كتاب الله وجدنا كلمة “صيام” قد تكررت في سبع آيات، وارتبط الصيام في الآيات السبعة بالشهور كما في قوله تعالى: (فصيام شهرين متتابعين توبة من الله) لأن من صام شهرا دون شهر فكأنما لم يصم شيئا. كما ارتبط الصيام بالأيام كقوله تعالى: (فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون) لأن صيام المؤمن واجب للأيام الثلاثة التي ينويها ليكمل تبيان آيات الله، وهذا التبيان مرتبط بصيام النهار لقوله تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) لأن النهار هو دليل الوجود والعيان لقوله تعالى: (والنهار إذا تجلى)، وقوله: (والنهار إذا جلاها)، وقوله: (والنهار مبصرا)، وهذا الدليل ثابت في قانون الوجود لقوله عز وجل: (فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة)، وهذا الصيام الذي هو دليل إثبات الوجود الإلهي في السماوات والأرض هو فرض لا يتحقق إيمان المؤمن إلا بإقامته لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)، فالخطاب لم يكن للمسلمين فحسب، بل للذين آمنوا وهم الذين أقروا واستقروا على معرفة الله لقول أمير المؤمنين الإمام علي (م): (أول الدين معرفته).

لكن ليتم التوحيد لابد من الإفراد بعد الإثبات، لذلك لم يجعل الله الدهر نهارا متحركا بالمطلق، بل أتمه بليل ساكن لقوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون)، وهو المعبر عنه بكلمة الصوم الواردة في آية واحدة هي الآية (السادسة والعشرون) من سورة مريم: (فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا)، فكان الصوم صمتا ليكتمل الواجب المطلوب من المؤمن بالصيام تشريعا والصوم تحقيقا لقول الإمام جعفر الصادق (علينا سلامه): (إن الصيام ليس من الطعام ولا من الشراب وحده، إن مريم عليها السلام قالت: “إني نذرت للرحمن صوما” أي صمتا فاحفظوا ألسنتكم وغضوا أبصاركم).

هذا الصوم عن الكلام له مقام الإفراد بعد الإثبات، ليكتمل التوحيد ويصبح الصائم عابدا لله، لأن العبادة الحقيقية لا تكون في الامتناع عن الطعام والشراب لقول سيدنا النبي عيسى المسيح (ع): (إن الذين يصومون ويصلون ملعونون لأنهم عملوا بصورة الشرع ولم يعرفوا معناه)، بل تكون في توحيد الباري، لذلك قال سيدنا رسول الله محمد (ص): (الصائم في عبادة وإن كان نائما على فراشه ما لم يغتب مسلما). وإذا بلغ المؤمن درجة التوحيد ستر من العذاب وهذا ما عناه سيدنا رسول الله (ص) بقوله: (الصوم جنة من النار).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

أنوار الصوم

‫8 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى